د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: ماذا حدث للمصريين؟
بيان
كل من زار مصر هذا الصيف عاد مذهولًا من تدهور الأخلاق وانهيار القيم، في مشهد لا يمكن فصله عن أزمات اقتصادية واجتماعية متشابكة.
الفقر والبطالة وغياب مبدأ تكافؤ الفرص (equal opportunities) ولّدت شعورًا بالإحباط واللامبالاة، فيما ساهم ضعف التعليم وتراجع دوره التربوي في غياب الانضباط (discipline)، وزادت وسائل الإعلام الطين بلة حين جعلت من محمد رمضان وصبري نخنوخ وأمثالهما قدوات (role models) ورموزًا، بينما ترسخت أنماط سلوك شاذة حتى داخل الطبقات العليا، كما يظهر في مشاهد البذخ والانفلات الأخلاقي في الساحل الشمالي.
وتشير بعض الدراسات المجتمعية الصادرة عن مراكز بحث مصرية وعربية إلى أن أكثر من 60% من الأسر ترى أن القيم الأخلاقية في المجتمع قد تراجعت بشدة خلال العقد الأخير، وأن غياب القدوة وتفكك الأسرة هما من أبرز العوامل.
كما أظهرت دراسة للبنك الدولي أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع نسب الفقر تؤدي إلى زيادة معدلات العنف الأسري (domestic violence) والجرائم البسيطة (petty crimes).
فيما أظهرت تقارير صادرة عن “المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية” أن انتشار تعاطي المخدرات (drug abuse) بين الشباب ارتفع خلال السنوات الأخيرة ليصل إلى نحو 10% من الفئة العمرية 15–35 عامًا، وهو ما يرتبط مباشرة بضعف منظومة القيم والانتماء.
وتؤكد دراسات أخرى لجامعة القاهرة أن أكثر من نصف طلاب الجامعات يعتقدون أن “العلاقات الشخصية والوساطة” أهم من مبدأ الجدارة (meritocracy) في النجاح العملي، وهو انعكاس مباشر لانهيار ثقافة العدالة والجدية، فضلًا عن تآكل ما يُعرف برأس المال الاجتماعي (social capital) أي شبكة الثقة والتعاون التي تربط الأفراد بالمجتمع.
هذا كله يعكس حالة من تفكك النسيج الاجتماعي (social fragmentation) واللامعيارية (anomie)، أي فقدان المجتمع للمعايير والقواعد الضابطة للسلوك، ما يؤدي إلى شيوع الارتباك الأخلاقي والفوضى القيمية.
والنتيجة الكارثية أن الانهيار القيمي الحالي هو أكبر عقبة في طريق أي مشروع إصلاحي مقبل في مصر؛ فحتى لو جاء إلى السلطة أكثر القادة كفاءة وأمانة، فإن الإصلاح سيكون شديد الصعوبة، لأن البناء على أرضية فاسدة أخلاقيًا يكاد يكون مستحيلًا.
اقرأ أيضا:
– د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: كارثة في مستقبل الطب بمصر (1 من 2)
د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: كارثة في مستقبل الطب بمصر (2 من 2)





