نهى سعيد تكتب: « بريد إلهي مفتوح ».. وراء الصمت حكاية

بيان

في إحدى المناطق الراقية، حيث تمتد البيوت الهادئة والحدائق الصغيرة المزهرة، كانت مها ونجلاء جارتين وصديقتين مقربتين. جمعت بينهما علاقة طيبة ومودة صافية، حتى أصبح كل من يعرفهما يرى فيهما صورة للألفة والوفاء. لم تكن تمر أيام دون أن تزور إحداهما الأخرى، تتبادلان الأحاديث والضحكات، وتستند كل منهما إلى الأخرى في لحظات الفرح والحزن.

لكن شيئًا ما بدأ يتسلل في الخفاء، فقد انسحبت نجلاء فجأة من لقاءات الجيرة، ولم تعد تطل من شرفتها كما اعتادت، ولم تطرق باب مها كما كان يحدث دائمًا. حاولت مها أن تقنع نفسها أن الأمر مؤقت، غير أن قلبها بدأ يثقل بالأسئلة والعتاب.

وذات صباح، مرّت مها أمام نجلاء، ألقت عليها التحية بابتسامة دافئة تنتظر ردها، لكن نجلاء اكتفت بهزة رأس باردة، دون أن ترتسم أي بسمة على شفتيها. شعرت مها بالخذلان، وتسلل إليها شعور أن صديقتها هجرتها بلا سبب. ظلت الأيام تمضي وجرحها يزداد، حتى جاء اليوم الذي قررت فيه أن تطرق الباب، عازمة على مواجهة نجلاء بما يجول في صدرها.

فتحت نجلاء الباب بوجهٍ باهت، فبادرتها مها بدموعٍ محبوسة وصوتٍ مخنوق: “لماذا تغيرتِ معي يا نجلاء؟ حتى تحيتي لم ترديها، وأنا التي لم أقصر معك يومًا”. عندها غمرت الدموع عيني نجلاء، وأجابت بصوتٍ مكسور: “لم أتغير عليك يا مها، ولم يبرد قلبي تجاهك، لكنني لم أعد أستطيع أن أبتسم. لقد تعرضت لحادث تسبب في كسر جذور أسناني، واضطر الطبيب لخلعها. أصبحت أخجل أن يراني أحد على هذه الحال”.

كانت كلماتها كصفعة أيقظت مها من غفلة الظن. شعرت كأن ثقل الدنيا قد وضع فوق قلبها، كيف حكمت بهذه القسوة؟ وكيف جعلت العتاب يحجب عنها رؤية ألم صديقتها؟ ارتمت في حضن نجلاء واعتذرت بحرقة، وهي تردد أنها لم تكن تعرف.

ثم نظرت إليها عبر دموعها وقالت بصوت مرتجف مليء بالأسف: “لكن… لماذا لم تخبريني؟ لماذا لم تقولي لي؟ كنتُ سأكون إلى جواركِ…”

هزت نجلاء رأسها بحزن وألم، بينما كانت دموعها تسقط على خديها: “وما الذي كنتِ ستفعلينه يا حبيبتي غير أن تشعري بالأسف لحالي؟ كنتُ أخشى أن تتحول نظرة المحبة في عينيكِ إلى نظرة شفقة… لم أستطع تحمل ذلك.”

عانقتها مها بقوة، وهمست في أذنها: “كيف تقولي هذا؟ كنت سأكون إلى جوارك، حتى تعود ابتسامتكِ مشرقة كما كانت.”

فقالت نجلاء بصوت خافت: “شكرًا لأنكِ هزمتِ خوفي وطرقتِ قلبي قبل بابي”. فأجابت مها وهي تشد على يدها: “ستعود ابتسامتكِ أجمل، وسنمضي الطريق معًا… لستِ وحدك”.

وهناك، وسط دموعٍ صامتة وقلوبٍ متعانقة، اكتشفت مها أن الله يكتب رسائله أحيانًا بلا حبر وورق، بل بوجعٍ صديق ودمعةٍ صامتة، لتكون المواقف نفسها بريدًا إلهيًا مفتوحًا… يذكّرنا أن ما نراه فتورًا قد يكون ألمًا، وما نظنه جفاءً قد يكون عجزًا، وأن حسن الظن ليس فقط خُلقًا كريمًا، بل حياة كاملة للقلوب.

وإلى هنا نصل إلى ختام قصتنا … إن كانت لديك رسالة قلبية،أو لحظة نورٍ من الله وسط ظلمة، أو قصة شعرتَ أنها جاءت من السماء مباشرة، فراسلني بها… لعلها تكون نورًا لقلبٍ آخر ينتظر الهداية أو الطمأنينة.

في انتظار رسائلكم الملهمة على البريد الإلكتروني: nohasaid36@gmail.com

مع تحياتي، وإلى موضوع جديد نجدد فيه الإيمان واليقين، مع “بريد إلهي مفتوح”.

اقرأ فى هذه السلسلة:

نهى سعيد تكتب: « بريد إلهي مفتوح ».. إنجي ورسائل السماء بين الألم والأمل

زر الذهاب إلى الأعلى