نهى سعيد تكتب: « بريد إلهي مفتوح ».. القلب بوصلة المؤمن
بيان
كانت ليلى تجلس في أحد المقاهي بانتظار صديقتها الطبيبة سارة. وبينما تقلب هاتفها على “فيسبوك”، استوقفها خبر عاجل: “إغلاق إحدى الشركات وتسريح موظفيها الجدد بسبب أزمة مالية مفاجئة”. ارتجف قلبها لثوانٍ، وكأن الخبر أيقظ في داخلها ذكرى قديمة.
تذكرت يوم عُرضت عليها وظيفة بدت مثالية: راتب مغرٍ، مدينة جديدة، وبداية مختلفة كما حلمتK لكنها ما إن أمسكت القلم لتوقّع العقد حتى شعرت بثقل غريب في صدرها دفعها إلى الرفض. كان القرار غامضًا في حينه، لكنها الآن رأت فيه إنقاذًا خفيًا، وكأن قلبها سبقها إلى ما عجز عقلها عن إدراكه.
وحين جاءت سارة إلى المقهى، قصت عليها ليلى ما حدث بتفاصيله، ثم أشارت إلى الخبر قائلة: “أتذكرين تلك الوظيفة التي رفضتها؟ هذه الشركة، لقد أغلقت. واليوم فقط أدركت لماذا ثقل قلبي حينها”.
ابتسمت سارة وقالت بحكمة: “قلبك لم يخب ظنك يا ليلى، لأن القلب يحمل حكمة أعمق من منطق العقل وحده. القلب ليس مجرد مضخة للدم، إنه مستودع المشاعر والفطرة والأسرار، ووعاء بصيرتك وتجاربك. العقل يرسم الطريق على الخريطة، لكن القلب هو الذي يمنحك الشجاعة للسير فيه، أو ينذرك إن كان هناك خطر لا تراه العين.”
قالت ليلى بدهشة: “ولكن كيف يمكن للقلب أن يُفكر؟ أليس العقل هو مركز التفكير والمنطق؟”
أجابت سارة بثقة: “العلم الحديث اكتشف أن للقلب عقلاً خاصًا به! فيه ما يزيد على أربعين ألف خلية عصبية، ويُنتج هرمونات مستقلة، ويتواصل مع الدماغ بشكل دائم ومعقد. وهذا يذكرنا بحقيقة قرآنية ذكرت منذ قرون:
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].
فهذه الآية العميقة تكشف أن البصيرة الحقيقية ليست في العين،بل في القلب الذي قد يظلم إذا ابتعد عن نور الهداية.
وهنا يربط القرآن بين العقل والقلب لا الدماغ،ليؤكد أن التفكير الواعي لا يكتمل إلا بإشراق القلب.
قالت ليلى متأثرة: “إذن قلبي يعقل حقاً.. يشعر ويتخذ قراراً؟”
أكملت سارة: “نعم، ولهذا قال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179].
أي أن الفهم والإدراك الحقيقي محله القلب. ومن يعطل هذه النعمة يصبح قلبه كالحجر، أو كما قال تعالى:
{ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة }[ البقرة:74] .
لذلك يجب دائمًا أن نعمل على تزكية قلوبنا، وأن نحذر أن يغشى الران قلبنا فيُصمه عن الإحساس.”
سألتها ليلى: “وما هو الران؟”
قالت سارة: “الران هو الغطاء الذي يتكون على القلب بسبب الذنوب والغفلات المتكررة، كالصدأ يطمس النور الداخلي، فيحجب الإنسان عن البصيرة، كما قال تعالى:
{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].”
وضعت ليلى يدها على صدرها وقالت بابتسامة مؤمنة: “الآن فهمت ذلك الثقل الذي شعرت به لم يكن رفضاً للوظيفة فقط، بل كان بريداً إلهياً مفتوحاً يحذرني، ويطلب مني أن أصغي لصوت فطرتي قبل أن أحسب الأمور بمنطق الأرقام الباردة.” ابتسمت سارة وأجابت:”بالضبط. القلب مرآة، إذا صَفَت انعكس عليها نور الله، وصارت بوصلتك للأمان.”
لكن هذا لا يعني أن نهمل العقل أو الحسابات المنطقية، بل أن نوازن بين نور القلب وإعمال العقل، فالعقل أداة للفهم، والقلب ميزان للحقائق العميقة.
وهنا أدركت ليلى أن القلب ليس مجرد عضلة تضخ الدم، بل عقل نابض، وبوصلة هادية، ووعاء يحمل أنوار الإيمان. فإذا صفا بالتقوى، وتنور بالذكر، غدا بريدًا إلهيًا مفتوحًا يهمس لصاحبه بما ينجيه مما قد تغفل عنه حسابات العقل وحده.





