أحمد عاطف آدم يكتب: القائد الحامي والأم الحنون
بيان
من المؤكد أن تعدد حالات الطلاق والانفصال بين الأزواج في الفترة الأخيرة له مبرراته، لكن دعونا نتفق أن معظمها يظل غير مقنع بالنسبة لنا، ولا ترتقي بأي حال من الأحوال لقدر مسئولية أصحابها كآباء وأمهات، لم يقترف أطفالهم ذنبًا يذكر – غير انتماءهم إليهم بصفة البنوة – ويبقى سؤال يطرح نفسه بقوة على طرفي أقدس علاقة على وجه الأرض – أهناك مبررًا واحدًا لمساومة زوج لزوجته بحياة ابنتيهما!؟
تلك الفاجعة الأخيرة التي هزت كياني وزلزلت مشاعري بقوة وأبكتني، جاءت ضمن سلسلة جرائم اجتماعية قرأت عنها مؤخرًا بالصحف. فمنذ بضعة أيام وتحديدًا بمنطقة العامرية التابعة لمحافظة الإسكندرية، استقبلت طفلة صغيرة ١٠ سنوات خبر شراء والدها شنطتها المدرسية للعام الدراسي الجديد بفرحة عارمة، فلبت نداءه وذهبت إليه رفقة شقيقتها الكبرى ١٦ سنة، حيث يعيش بمسكن خاص، وذلك بعد استقلاله عن والدتهما في اغسطس من العام الماضي ٢٠٢٤، وتفضيله العزلة لتعدد الخلافات بينهما، وامتناعها عن إعطاءه حقوقه الزوجية دون سبب معلوم، حسب ما ذكره بتحقيقات النيابة.
وما أن وصلتا إليه ابنتيه حتى قام بالاتصال بزوجته، وأخبرها بأنه احتجزهما لديه، ثم أصر على حضورها لشدة احتياجه إليها كزوج، وعندما رفضت الرضوخ لطلبه، هددها بقتل نجلتيهما، لكنها لم تلتفت لتهديداته، فما كان منه إلا أن نفذ أمر شيطانه وأحضر سكينًا من مطبخه، تعدى على ابنته الكبرى في رقبتها، وعند محاولتها الهرب من أمامه تجاه باب الشقة، لاحقها وانهال عليها طعنًا بذات السكين حتى خارت قواها – سقطت أرضًا – ترجته ابنته الصغرى ليترك شقيقتها، فطاردها هي الأخرى وأمسكها بجوار سرير غرفة نومه، ثم سدد لها طعنة غادرة بالرقبة، فرت بعدها من أمامه، لكنه لحقها بطعنة ثانية، استنجدت الطفلة المسكينة بأحد الجيران، فقام الأب بطعن نفسه بأماكن متفرقة من جسده، وفارق الحياة بالمستشفى ليلحق بابنته الكبرى، وتحرر المحضر برقم 10762 لسنة 2025 أول العامرية.
بعد سرد تلك الوقائع وربطها بحوادث مفجعة ومتلاحقة، سقطت على مسامعنا مؤخراً، دفع فيها أطفالًا لا حول لهم ولا قوة – حياتهم ثمنًا غاليًا – لشهوة الانتصار والتعالي بين آبائهم وأمهاتهم.
تخيلت صورة ثابتة وشامخة لشخصية “الأب القائد الحامي” والحصن الحصين لأسرته، الذي يفني عمره ويتجاوز آلامه ومشاحناته، ليرى في نهاية كل يوم من أيامه العصيبة، ابتسامة جميلة ترتسم على وجه أبناءه، بعد أن لبى لهم حاجة بأقل القليل، أو حقق أمنية مؤجلة لضيق ذات اليد – الأب الذي يعود ليلًا من عمله وهو يحن لرؤيتهم مستيقظين فرحين بقدومه، وإذا عرف أنهم ناموا ذهب إلى فراشهم مبتسمًا، يطمئن على عمق ثباتهم نائمين في كنفه وأمانه، الأب الذي يتحمل مشقة ومضاعفة ساعات كده حتى يستطيع تجهيز بناته للزواج، ثم يبكي عندما يخرجون من بيته إلى بيوت أزواجهم – لا إلى أكفانهم بعد أن تناثرت دمائهم البريئة على يديه.
تلك الحادثة بالتحديد كانت صعبة للغاية علىَّ وأنا أسرد وقائعها لك عزيزي الأب، عزيزتي الأم، لكنها ناقوس خطر يجب أن يدق قبل فوات الأوان.
حافظوا على فطرتكم التي فطركم الله عليها، ولا تنسوا دوركم الحقيقي في حياة أبنائكم، تحملوا نتيجة قراركم في الارتباط – ولا تتسابقوا على التحدي والاستقواء على فلذات أكبادكم – بل اتحدوا على تقويتهم وبنائهم نفسيًا وجسديًا بشكل سليم.
وأنا تحضرني نصيحة لأحد أقطاب مهنة المحاماة، وهو أخ وصديق فاضل كتب على صفحته بالفيس بوك قائلًا: “يا كل أب او أم بتجبركم الظروف والمشاكل علي تواجد أبنائكم بقاعات وردهات المحاكم، منظرهم يدمي القلوب، (((حاولوا تتحملوا من اجلهم))).





