غزة بين مطرقة الخطة وسندان الواقع: عبد الحليم قنديل يقرأ خطة ترامب (فيديو)

كتب: على طه

في حلقة شديدة الثراء من برنامج “كل الأبعاد” على شاشة “سي بي سي إكسترا”، قدّم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد الحليم قنديل قراءة معمّقة لما يُعرف إعلاميًا بـ”خطة ترامب لغزة”، كاشفًا عن أبعاد خطيرة تحملها الوثيقة التي قد تبدو – ظاهريًا – فرصة لوقف إطلاق النار، لكنها في الحقيقة، كما يصفها، مشروع وصاية أميركية جديدة مموّهة بلغة السلام.

استهل قنديل حديثه بالإشارة إلى التلاعب حتى في التفاصيل الشكلية للخطة، حيث أعلن البيت الأبيض أنها تتكون من عشرين بندًا، وليس واحدًا وعشرين كما تم الترويج.

هذا التعديل لم يكن بريئًا؛ إذ تم حذف البند الذي كان يُشير – ولو رمزيًا – إلى احتمال فتح باب لإقامة دولة فلسطينية. بحسب قنديل، فقد أُسقط هذا البند بعد اجتماع ترامب بنتنياهو، والذي أعلن فيه الأخير صراحة رفضه القاطع لأي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، سواء بوجود السلطة الفلسطينية أو حماس، مؤكدًا أن غزة – من وجهة نظره – ليست جزءًا من تلك المعادلة على الإطلاق.

يرى قنديل أن هذه الخطة لا تحمل من “خطة ترامب” إلا الاسم، فهي عمليًا خطة نتنياهو بامتياز، تحمل بصمات التطرّف الصهيوني المعهود، وقد شارك في إعدادها شخصيات وصفها بأنها أكثر تطرفًا من نتنياهو نفسه، مثل جاريد كوشنر، وإيفانكا ترامب، ورون ديرمر، بالإضافة إلى توني بلير، الذي عاد للظهور في المشهد الفلسطيني وكأن شيئًا لم يكن.

لكن الأخطر في رأي قنديل هو أن هذه الخطة تكرّس نظام انتداب جديد على غزة، هذه المرة بغطاء أميركي صريح، وبذريعة إدارة انتقالية مجهولة المدة.

لا أحد يعرف متى تبدأ أو تنتهي، ومن يديرها، وما ضمانات وجودها أو آليات رقابتها.

إنها عودة مقنّعة لصيغة الانتداب البريطاني الذي مهد لقيام الكيان الصهيوني قبل أكثر من قرن.

وحين سئل عن احتمال أن تكون هذه الخطة بابًا جديدًا للتهجير، أشار قنديل إلى أن نص الخطة يتحدث عن “عدم إجبار الفلسطينيين على المغادرة”، لكنه في ذات الوقت يفتح أبواب التهجير الناعم على مصراعيها.

فالخطة تعرض تعويضات مالية وتسهيلات سفر، وتعيد صياغة حياة الفلسطينيين كأنها مشروع استثماري في أرض “بلا شعب”، في تكرار فجّ لرواية الاحتلال الأولى.

ولم تغب اللغة التحذيرية عن حديث قنديل، فقد اعتبر أن الخطة توظّف مشاعر الإنهاك والتعب الإنساني في غزة، نتيجة المجازر المتواصلة، لتسويق حلٍّ هلامي يوقف إطلاق النار، لكن على حساب الثوابت الوطنية الفلسطينية.

هي أشبه، كما قال، بعملية “ابتزاز عاطفي جماعي”، تسعى لجرّ الفصائل، خصوصًا حماس، نحو فخ سياسي مغطى بالرحمة الإنسانية.

كما تناول قنديل الدور العربي في هذه الخطة، واصفًا إياه بأنه “شرك سياسي خطير” يُراد منه تحميل الدول العربية – مصر وقطر وتركيا – مسؤولية تنفيذ بنود تمس جوهر القضية، خاصة تلك المتعلقة بنزع سلاح المقاومة.

ومن هنا، تتحوّل المعركة من صراع فلسطيني – إسرائيلي، إلى صراع فلسطيني – عربي، أو حتى فلسطيني – إسلامي، وهو ما حذّر منه قنديل بشدة، معتبرًا أن ذلك يشرعن الرؤية الإسرائيلية للعالم العربي كشريك أمني لا سياسي.

وبنبرة لا تخلو من السخرية والمرارة، علّق قنديل على شكر ترامب للرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن “ضبط الحدود”، قائلًا إن ترامب لا يقدّر أحدًا، بل يوزّع عبارات المديح كما يوزع “القبل في حفلات الزفاف”، مؤكدًا أن موقف مصر الثابت الرافض للتهجير – سواء القسري أو الطوعي – لا يحتاج إلى إشادة من واشنطن، بل يستمد شرعيته من المصالح القومية والأخلاقية.

ورغم كل شيء، لم يعبّر قنديل عن تفاؤل كاذب، بل وصف الخطة بأنها “رزمة من الأكاذيب”، لا تحمل أي جدول زمني، ولا ضمانات تنفيذ، ولا إشراك حقيقي للفلسطينيين، سوى كأتباع ضمن مجلس صوري، أشبه ما يكون بمكتب إداري اقتصادي لإدارة شؤون غزة كأنها منطقة تجارة حرة بلا شعب، بلا هوية، بلا مقاومة.

وفي ختام تحليله، أعاد قنديل التأكيد على ما يراه حقيقة لا يمكن القفز عليها: طالما وُجد احتلال، ستوجد مقاومة.

وكل محاولات الخداع السياسي والتلاعب بالمصطلحات والوعود لن تغيّر من جوهر الصراع. فالفلسطينيون، رغم الانقسامات والخذلان، أثبتوا في كل مرة قدرتهم على تجديد أنفسهم، والخروج من تحت الركام، حاملين نار قضيتهم التي لا تنطفئ.

شاهد الحلقة كاملة:

اقرأ أيضا:

عبد الغنى: تنسيق مصري إماراتي بشأن غزة وخطة ترامب (فيديو)

زر الذهاب إلى الأعلى