القصة كاملة فى 25 دقيقة يرويها عبدالغني: ما نعيشه اليوم امتداد لمخططات ما بعد أكتوبر 73

كتبت: هدى الفقى

قال الكاتب الصحفي عاطف عبدالغني إن احتفال مصر هذا العام بالعيد الثاني والخمسين لانتصار أكتوبر العظيم لا يقتصر على مجرد مناسبة وطنية، بل هو استدعاء لروح ومعاني معركة غيرت وجه التاريخ، ليس فقط في المنطقة العربية والشرق الأوسط، بل في العالم كله.

“متخافش من بكرة”

وأوضح «عبدالغني» خلال استصافته فى برنامج “متخافش من بكرة” من تقديم الإعلامى عمرو طير البر على قناة “العاصمة الجديدة”، أن يوم السادس من أكتوبر عام 1973 كان يومًا فارقًا في حياة المصريين والعرب جميعًا، مشيرًا إلى أن الجندي المصري تمكن في هذا اليوم من عبور قناة السويس وتحطيم الموانع التي أقامها العدو، وفي مقدمتها المانع النفسي الذي كان أخطر من أي مانع مادي.

وأشار إلى أن عبور القوات المصرية للقناة ومدّ رؤوس الكباري على الضفة الشرقية خلال ساعات قليلة كان إنجازًا عسكريًا فريدًا، ساهم فيه سلاح المهندسين المصري بفكرة مبتكرة استخدمت فيها خراطيم المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف، ما مكّن القوات من إقامة الكباري وعبور الدبابات والمجنزرات بأقل خسائر ممكنة.

وأضاف «عبدالغني» أن الجندي المصري خاض المعركة بروح عالية وإيمان صادق، بعدما قضى ست سنوات في الخنادق منذ نكسة 1967، وهو يتوق إلى لحظة استرداد الأرض والكرامة.

وأكد أن النصر لم يكن وليد القوة العسكرية وحدها، بل كان ثمرة تخطيط واعٍ وإرادة لا تلين، لافتًا إلى أن فترة ما بين 1967 و1973 شهدت إعدادًا حقيقيًا للمعركة، بدءًا من وضع الخطط المبدئية في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، مرورًا بتطويرها على يد قادة الجيش وعلى رأسهم الفريق سعد الدين الشاذلي، وصولًا إلى القرار التاريخي للرئيس أنور السادات ببدء الهجوم في السادس من أكتوبر.

الزعيم الراحل جمال عبدالناصر
الزعيم الراحل جمال عبدالناصر

تحولًا نوعيًا في أداء الجيش المصري

وأشار الكاتب الصحفي إلى أن حرب أكتوبر جسّدت تحولًا نوعيًا في أداء الجيش المصري، بعد انضمام حملة المؤهلات العليا إلى صفوفه، واستيعابهم السريع للأسلحة الحديثة رغم محدودية الدعم من الاتحاد السوفيتي آنذاك، مقابل التفوق النوعي للجيش الإسرائيلي في التسليح.

وقال إن الرئيس السادات خاض المعركة بوعي استراتيجي كامل، وكان هدفه الأول تحريك قضية الشرق الأوسط التي حاول العدو تجميدها، مؤكدًا أن الخطة المصرية اعتمدت على الخداع الاستراتيجي والتنسيق الكامل بين أفرع القوات المسلحة، وهو ما فاجأ العدو وأفقده توازنه.

وأضاف أن قرار السادات بوقف تطوير الهجوم بعد تحقيق الأهداف المحددة كان قرارًا حكيمًا، إذ كان يدرك أن التقدم خارج مظلة الدفاع الجوي المصري قد يكرر مأساة عام 1967، مشيرًا إلى أن الرئيس الراحل تعامل بوعي مع ما عُرف بـ«الثغرة»، وفضّل إنهاء الحرب عند حدود النصر العسكري والسياسي الذي تحقق.

السادات

وقال الكاتب الصحفي عاطف عبدالغني إن الرئيس الراحل أنور السادات، وبعد انتصار أكتوبر العظيم، أدرك بفطرته السياسية وذكائه الفطري أن مرحلة الحرب يجب أن تُستكمل بمرحلة سلام، ليضيف إلى ما تحقق من مكاسب عسكرية، مكاسب سياسية ودبلوماسية، ويستكمل تحرير الأرض.

مفاجأة العالم

وأضاف «عبدالغني» أن السادات فاجأ العالم كله بمبادرته التاريخية حين أعلن أنه ذاهب إلى القدس، في خطوة أحدثت زلزالًا سياسياً في المنطقة، حتى أن إسرائيل نفسها لم تصدق في البداية، وظن بعض قادتها أن الطائرة المصرية القادمة ربما تحمل قوات كوماندوز في عملية خداع جديدة من “الثعلب المصري” الذي أذهلهم في أكتوبر.

وأوضح عبدالغني أن الرئيس السادات استطاع عبر مفاوضات السلام أن ينتزع مكاسب ضخمة لمصر من رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني المتطرف مناحم بيجن، الذي انسحب بعد ذلك من الحياة السياسية ودخل في حالة اكتئاب حاد، بعدما شعر أن السادات تفوق عليه في المفاوضات كما تفوق عليه في الحرب.

وكشف عبدالغني عن أحد الأساليب الذكية التي استخدمها السادات أثناء تعثر المفاوضات، قائلًا:

“حين كانت المباحثات تتعطل، كان السادات يوجّه بعض المسؤولين في القاهرة للبحث عن رفات جنود إسرائيليين في سيناء، والإعلان عن العثور عليهم، لتتحرك مشاعر الأمهات الثكالى في إسرائيل ويضغط الرأي العام على الحكومة لاستئناف التفاوض. لقد كان يدرك كيف يستخدم العامل النفسي لصالح بلده”.

وأكد الكاتب الصحفي أن المعركة مع إسرائيل ليست معركة حدود بل معركة وجود، مستشهدًا بقول الزعيم الراحل جمال عبد الناصر:

“معركتنا مع إسرائيل معركة وجود وليست معركة حدود.”

وقال عبدالغني: “الزمن أثبت صدق هذه المقولة، لأن المشروع الصهيوني لا يستهدف قطعة أرض فحسب، بل يسعى لفرض هيمنة فكرية وسياسية واقتصادية على المنطقة بأكملها.”

وأشار إلى أن هناك خيطًا ممتدًا يربط بين انتصار أكتوبر والربيع العربي وما نشهده اليوم من أحداث في المنطقة، موضحًا أن الصهيونية العالمية لم تتوقف عن العمل لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، مستخدمة أدوات ناعمة ومتعددة بعد فشلها في المواجهة العسكرية المباشرة.

من أكتوبر إلى مدريد.. مسار ممتد من الاختراق الناعم

وأوضح عبدالغني أن ما جرى بعد ذلك من تحركات دولية، مثل مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، كان يهدف في جوهره إلى إنقاذ إسرائيل بعد انتفاضة الحجارة التي هزّت كيانها من الداخل.
وقال إن هذا المؤتمر عُقد بعد الحرب الخليجية الأولى، وشارك فيه عدد من الدول العربية منها سوريا، وخرج بثلاثة مسارات تفاوضية:

مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول القضايا العالقة.

مفاوضات متعددة الأطراف بمشاركة عربية واسعة.

مفاوضات موازية سرية لم يُعلن عنها، وكانت هي الأخطر لأنها جرت خلف الكواليس دون علم الشعوب أو الإعلام.

وبيّن «عبدالغني» أن هذه المباحثات الموازية كانت تُدار من خلال مؤسسة أميركية تُسمى Search for Common Ground، وهي مؤسسة بحثية كانت تعمل مباشرة مع الخارجية الأمريكية، ولعبت سابقًا دورًا محوريًا في تفكيك الاتحاد السوفيتي.
وأضاف أن المؤسسة نفسها تقدمت بعد مؤتمر مدريد بمقترح جديد لإطلاق مبادرة بعنوان “مبادرة التنمية والسلام في الشرق الأوسط”، ركزت على خمسة ملفات أساسية:

القضية الفلسطينية،

الأسلحة النووية،

المياه،

التعاون الاقتصادي،

التطبيع الثقافي والشعبي.

غطاء الاختراق الصهيوني

وأشار «عبدالغني» إلى أن هذه الملفات كانت الغطاء الحقيقي لمحاولات الاختراق الصهيوني للمجتمعات العربية، مؤكدًا أن المؤسسة ضمّت شخصيات إسرائيلية بارزة وضباطًا متقاعدين ومسؤولين سياسيين كبارًا، مثل السفير الأميركي الأسبق في القاهرة ألفريد آثيرتون وغيره.

وأضاف: “هؤلاء نظموا لقاءات سرّية في دول عربية مثل المغرب والسعودية، تحت اسم الخلوات، بحضور رجال أعمال ومثقفين عرب، وكان الهدف منها تطبيع العلاقات الشعبية والاقتصادية بعيدًا عن الحكومات.”

وأكد «عبدالغني» أن الملف الوحيد الذي استمر بنجاح نسبي هو الملف الاقتصادى وفى القلب منه ملف التطبيع، بينما فشلت بقية الملفات، لكن هذا الملف كان هو أخطرها لأنه كان بمثابة رأس الحربة الذي اخترق المنطقة من الداخل، ممهداً للمرحلة التالية من إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

من التطبيع إلى الربيع العربي

وتابع «عبدالغني»: “عندما وصل نتنياهو إلى رئاسة الوزراء عام 1996، أوقف المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، لكنها لم تكن نهاية الطريق. فقد ظلت المباحثات الموازية تعمل في الخفاء، بإشراف من مؤسسات أميركية وصهيونية، واستمرت في استهداف البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدول العربية.”

وأشار إلى أن تلك التحركات كانت التمهيد الحقيقي لما سُمي لاحقًا بالربيع العربي، الذي لم يكن عفويًا أو تلقائيًا كما رُوّج له، بل كان امتدادًا للمشروع ذاته الذي بدأ عقب حرب أكتوبر، ومرّ عبر اتفاقيات السلام ومؤتمرات التطبيع وصولًا إلى الفوضى التي اجتاحت المنطقة في 2011.

وقال الكاتب الصحفي إن “ما جرى في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، وما يجري اليوم في المغرب وموريتانيا، ليس سوى فصول متتالية من مشروع واحد، يستهدف إعادة رسم الشرق الأوسط وفق الرؤية الصهيونية”.

وختم «عبدالغني» تصريحاته بالتأكيد على أن: “ما نعيشه اليوم هو فصل جديد من فصول معركة الوعي. الصهيونية العالمية لم تغفر لنا عبور القناة، وما زالت تعمل منذ 1973 لإعادة تشكيل وجداننا وحدودنا. لكن الوعي العربي، إن استعاد روحه، قادر أن يعبر مرة أخرى”.

شاهد البرنامج كاملا:

طالع المزيد:

زر الذهاب إلى الأعلى