جرجس بشرى يكتب: قنابل موقوتة في جدول أعمال مؤتمر نيقية 2025 بدير الأنبا بيشوي

بيان

تنطلق غدًا بمركز لوجوس بدير الأنبا بيشوي العامر فعاليات المؤتمر السادس للجنة الإيمان والنظام بمجلس الكنائس العالمي، بمناسبة مرور 1700 عام على انعقاد مجمع نيقية المسكوني، ويشارك في الفعاليات قرابة 500 شخص من رجال الدين من مختلف المذاهب والاتحادات والمجمعات الكنسية حول العالم.

وانعقاد هذا المؤتمر في مصر ليس مصادفة، إذ إن مجمع نيقية يرتبط أساسًا بمصر، حيث كان بطل المجمع الشماس القبطي أثناسيوس الذي أصبح فيما بعد البابا أثناسيوس الرسولي، ولأن صاحب البدعة الذي تم حرمه في هذا المجمع هو قس الإسكندرية آريوس بسبب تعاليمه المنحرفة عن لاهوت السيد المسيح وإنكاره أزلية أقنوم الابن “الكلمة”.

ولعل السبب الآخر في اختيار مصر مكانًا لانعقاد المؤتمر هو مكانة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية العريقة ودورها الرائد في مقاومة البدع والهرطقات، حيث كان آباؤها أبطالًا في المجامع المسكونية الثلاثة (نيقية، وأفسس، والقسطنطينية).

كما أن انعقاد المؤتمر في مصر وبهذا الكم من الحضور من دول كثيرة في العالم يبعث برسالة قوية إلى العالم كله بأن مصر دولة آمنة مستقرة، وأنها بلد للتعايش السلمي والمحبة بين المسلمين والمسيحيين، وليس كما يروّجه بعض مرتزقة المنظمات القبطية في المهجر.

وقد زار مؤخرًا طلاب ومدرسو المعهد اللاهوتي المسكوني العالمي فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، واستقبلهم فضيلته بحفاوة وألقى عليهم محاضرة مهمة عن أهمية الحوار بين الأديان وضرورة نشر قيم السلام.

ونأتي إلى النقطة الأخطر، وهي المخاوف والقلق اللذان ساورا أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الوطنية خشية توقيع أو إعلان اتفاق للوحدة مع الكنائس الغربية أو توقيع بروتوكولات عن وحدة الأعياد (عيدي القيامة والميلاد).

والحق يُقال إن مخاوف أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من إبرام أو إعلان أي اتفاق للوحدة الكنسية هي مخاوف مشروعة.

وقد سبق أن نشرنا مقالًا مهمًا عبر بوابة “بيان” أوضحنا فيه خطورة الشق السياسي للوحدة على مصر كلها وهويتها على المدى البعيد، لأن آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والشعب القبطي الأرثوذكسي رفضوا وما زالوا يرفضون هذه الوحدة لاعتبارات وطنية وإيمانية.

ومن الأمور التي تستحق الإشادة وسط هذا القلق القبطي، خروج قداسة البابا تواضروس الثاني بنفسه ليؤكد للأقباط أنه لن يكون هناك أي اتفاق للوحدة الكنسية، وأن هدف المؤتمر هو توطيد علاقات المحبة مع الكنائس وتعريف هذه الكنائس بعراقة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

إلا أن السؤال الأخطر هنا بعد تصريح قداسة البابا: هل سيتم مناقشة الوحدة الكنسية في هذا المؤتمر؟.

والإجابة الصادمة هي: “نعم”، لأن جدول أعمال المؤتمر وورش العمل سيتضمن طرح مسألة الوحدة الكنسية بقوة، وخاصة ما أُطلق عليها “الوحدة المرئية أو المنظورة”، وكأن المؤتمرِين يريدون خداع البسطاء بأن هناك وحدة كنسية تمت، رغم وجود خلافات جوهرية في الإيمان وحرومات متبادلة بيننا وبين هذه الكنائس.

بل إن بعض الكنائس الفاعلة في المؤتمر تدعم زواج الشواذ والمثليين وتبارك هذا الزواج وترسم قساوسة وقسيسات مثليين، وهو الأمر الذي ترفضه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وتعاليم الكتاب المقدس رفضًا قاطعًا.

والأخطر أنه معروض في جدول أعمال المؤتمر، وفقًا لما ورد في دليل المؤتمر العالمي السادس للإيمان والنظام، تحت العنوان الرئيسي: “إلى أين نتجه الآن نحو الوحدة المنظورة؟” وهو ما يوحي بأن المؤتمر يريد تمرير الوحدة الكنسية عرفيًّا بأي شكل حتى ولو كانت “منظورة” ودون اتفاق رسمي.

كما جاء في أجندة المؤتمر – رغم إعلان قداسة البابا تواضروس عن عدم مناقشة مسألة الوحدة الكنسية – طرح مسألة توحيد عيد القيامة ومحاولة الاتفاق على موعد محدد لتاريخ عيد القيامة المجيد تُعيد فيه جميع كنائس العالم معًا.

ومن المقطوع به أن كنيسة الإسكندرية، أي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، هي الكنيسة الوحيدة المنوط بها تحديد موعد عيد القيامة المجيد وفقًا لقرارات مجمع نيقية المسكوني نفسه، وبالتالي فإن أي تغيير لهذا التاريخ عن التاريخ الذي حدده مجمع نيقية سيكون بمثابة إهانة للمجمع وانقلابًا سافرًا على قراراته، ويُعرض من يوقّع على هذا الاتفاق من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للحرم الكنسي.

ومن الأمور المثيرة للسخرية أيضًا في أجندة أعمال هذا المؤتمر ما سيتم مناقشته في ورش العمل، فمثلًا ورشة العمل رقم 6 ستتناول موضوعًا غاية في الخطورة ويُعد بمثابة إهانة للمسيحية، وهو بعنوان: “سلامة الاعتراف: نيقية والعنصرية وتفكيك النظام الأبوي”.

ولست أعلم ماذا يقصدون بتفكيك النظام الأبوي!
هل يقصدون تفكيك النظر إلى الله نفسه – تبارك اسمه – كأب للبشرية؟ أم تفكيك النظام الكهنوتي، وهو من صلب العقيدة المسيحية؟.

كما ستناقش ورشة رقم 4 موضوعًا بعنوان: “نيقية: دعوة جديدة للوحدة”، ولست أعلم عن أي وحدة يتحدثون، مع أن مفهوم الوحدة الكنسية – حتى عند مؤرخي الكاثوليك – هو إخضاع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لوصاية البابا الروماني، أي بابا الفاتيكان أو بابا الكنيسة الكاثوليكية!.

والطامة الكبرى أن الورشة رقم 19 ستكون بعنوان: “إعادة النظر في الكنيسة: نحو رؤية مشتركة في ضوء هبة الكينونة”، ولعل هذا العنوان المطروح في كنيسة الإسكندرية يُعد فضيحة من العيار الثقيل!

فهل بعد سبعة عشر قرنًا تأتي هذه الكنائس المحرومة التي خرج كثير منها عن الإيمان المستقيم وانغمس بعضها في مباركة زواج الشواذ لتطالب بإعادة النظر في الكنيسة؟!.
وهل كنائس الهراطقة هي التي تطالب بإعادة النظر في الكنيسة ومن مقر كرسي بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية؟!.

قمة العار أن تُناقَش هذه التجاديف في مقر كرسي الإسكندرية العريق، وأطالب قداسة البابا تواضروس الثاني والمجمع المقدس لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية بحذف هذه التجاديف من جدول أعمال المؤتمر حفاظًا على كرامة الكنيسة القبطية.

وبالتالي، فإن كان قداسة البابا تواضروس الثاني قد أكد أنه لن يتم الاتفاق على أي وحدة كنسية في المؤتمر – وهو ما أسعد جموع الأقباط – إلا أن جدول أعمال المؤتمر وشعاره وورش العمل تُلح بقوة على فرض موضوع الوحدة الكنسية، بجانب الزج بموضوعات خطيرة مثل الشعوب الأصلية في أجندة المؤتمر، بل وتزييف التاريخ بالزج بقضية المناخ في مؤتمر نيقية 2025.

وهو ما يؤكد أن هناك حالة ترقب وتفاؤل حذر تنتاب أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحسبًا لاتخاذ قرارات مباغتة ضد إيمان وهوية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وقرارات مجمع نيقية المسكوني المقدس.

لننتظر ونرى، وإن غدًا لناظره قريب.

اقرأ أيضا:

جرجس بشرى يكتب: في إجتماع نيقية ٢٠٢٥ م بمصر هل ستتم الوحدة بين الكنائس 

زر الذهاب إلى الأعلى