د. محمد الجوهرى يكتب: الذكاء الاصطناعي وفهلوة المصريين
بيان
تحوَّلت جموعٌ من الشعب المصري فجأةً إلى أطباء ومحامين وعباقرة بفضل استخدامهم لبرامج الذكاء الاصطناعي، الذي ظنّوا به الخير وأنه سينقذهم من البحث والدراسة والفهم. نعم، فبضغطهم على زرٍّ واحد أصبحوا ما يتمنّون، فأصبح الممرّض طبيبًا، وسكرتير المحامي محامي نقض.
نعم، فهو يستطيع الحصول على المذكرات وصيغ الدعاوى، بل دراسة الأحكام، عن طريق برامج الذكاء الاصطناعي. في الماضي كان الطلاب ينزعجون إذا طُلب منهم إعداد بحث، لكن الآن يقولون: هل من مزيد؟ والطريق معروف.
والتحول الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت من أهم محركات التغيير في الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه تثير جدلًا واسعًا حول تأثيرها على سوق العمل واحتمالات الخطأ المرتبطة بها.
أولًا، من حيث التأثير على البطالة، لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يؤدي ببساطة إلى فقدان الوظائف، بل هو يعيد تشكيل سوق العمل. بعض الوظائف التقليدية، خاصة التي تعتمد على الأعمال الروتينية مثل الإدخال اليدوي للبيانات أو الأعمال الإدارية البسيطة، أصبحت أكثر عرضة للاستبدال.
في المقابل، تظهر وظائف جديدة في مجالات تحليل البيانات، وتطوير البرمجيات، وإدارة الأنظمة الذكية، والأمن السيبراني. المشكلة الحقيقية ليست في اختفاء الوظائف، بل في سرعة التحول مقارنة بقدرة العمال على التأقلم وإعادة التأهيل.
وهنا يظهر مفهوم “البطالة الهيكلية”، حيث لا يمتلك جزء من القوة العاملة المهارات المطلوبة للوظائف الجديدة. هذا يخلق فجوة بين العرض والطلب في سوق العمل، خصوصًا في الدول النامية التي تعاني من ضعف نظم التعليم والتدريب.
ثانيًا، قد يؤدي التحول الرقمي إلى زيادة الإنتاجية وخفض التكاليف، وهو ما يدعم النمو الاقتصادي على المدى الطويل. لكن على المدى القصير، قد تتأثر بعض الفئات بشكل سلبي، مثل العمالة منخفضة المهارة، مما يستدعي تدخل الدولة بسياسات حماية اجتماعية وبرامج تدريب وإعادة تأهيل.
أما بالنسبة للأخطاء المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، فهي قضية لا تقل أهمية، ويمكن تلخيصها في عدة محاور:
أولًا، أخطاء البيانات، حيث تعتمد الأنظمة الذكية على البيانات، وإذا كانت هذه البيانات غير دقيقة أو متحيزة، فإن النتائج ستكون مضللة، وهذا يظهر بوضوح في أنظمة التوظيف أو التقييم الائتماني.
ثانيًا، غياب الفهم، فالذكاء الاصطناعي قد يقدم قرارات أو توصيات دون إدراك كامل للظروف الإنسانية أو الاقتصادية المحيطة، مما يؤدي إلى قرارات غير مناسبة.
ثالثًا، الاعتماد الزائد على التكنولوجيا، حيث قد يؤدي الإفراط في الثقة بالأنظمة الذكية إلى تقليل دور العنصر البشري في المراجعة والتدقيق، وهو ما يزيد من مخاطر الأخطاء.
رابعًا، المخاطر الأمنية، مثل الهجمات السيبرانية أو التلاعب بالأنظمة، خاصة مع توسع الاعتماد على الأتمتة في قطاعات حيوية مثل البنوك والطاقة.
خامسًا، الأخطاء الأخلاقية، مثل انتهاك الخصوصية أو اتخاذ قرارات غير عادلة بسبب التحيزات الخوارزمية.
في النهاية، يمكن القول إن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ليسا تهديدًا بقدر ما هما أداة، أما التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الإدارة الرشيدة لهذه الأدوات، من خلال تطوير التعليم، وتحديث التشريعات، وتعزيز دور الإنسان في الرقابة واتخاذ القرار. فالاقتصاد الذي ينجح ليس هو الذي يمنع التكنولوجيا، بل الذي يوظفها بكفاءة مع حماية مجتمعه من آثارها الجانبية.





