د. محمد الجوهرى يكتب: انتهى الدرس يا عرب
بيان
في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، تتكشف الحقائق القاسية التي حاولت السياسة تجاهلها لسنوات طويلة، ويصبح الواقع أكثر وضوحًا من أي خطاب دبلوماسي أو وعود سياسية، فالتاريخ يعلمنا أن توازنات القوة لا تُبنى على المجاملات، ولا على العطايا، ولا على أوهام السلام السريع، بل تُبنى على المصالح الصلبة والقوة والقدرة على حماية القرار الوطني.
وخلال السنوات الماضية، ظنّ كثيرون في العالم العربي أن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر تقديم التنازلات السياسية والاقتصادية، وأن التطبيع السريع مع إسرائيل وتقديم الامتيازات الاقتصادية والتحالفات السياسية مع الولايات المتحدة قد يفتح بابًا جديدًا للأمن والاستقرار في المنطقة، لكن ما حدث أثبت أن السياسة الدولية لا تُدار بهذه البساطة، وأن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها لا وفق عواطف أو صداقات.
لقد اعتقد البعض أن ضخ المليارات في الاقتصاد الأمريكي أو فتح أبواب التطبيع دون شروط سيغيّر من طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وأن ذلك سيؤدي إلى إخماد بؤر التوتر التاريخية، لكن الواقع أثبت أن الذئب لا يمكن ترويضه بالعطايا، وأن منطق القوة لا يتغير بمجرد تغيير الخطاب السياسي.
وعندما اندلعت المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأت المنطقة كلها تشعر بحقيقة المشهد، فالحرب لم تكن مجرد صراع عسكري محدود، بل كانت شرارة أعادت رسم خطوط التوتر في الشرق الأوسط كله، ودفعت المنطقة إلى حالة من القلق الاقتصادي والسياسي.
فقد اهتزت أسواق الطاقة العالمية، وارتفعت أسعار النفط، وتزايدت المخاوف بشأن أمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، كما ارتفعت تكلفة التأمين على السفن، وتزايدت المخاطر التي تواجه التجارة الدولية، وكل ذلك انعكس مباشرة على اقتصادات المنطقة.
وفي الوقت نفسه، بدأت أسواق المال العالمية في التقلب، وارتفعت أسعار الذهب باعتباره الملاذ الآمن في أوقات الأزمات، بينما تعرضت عملات العديد من الأسواق الناشئة لضغوط متزايدة نتيجة خروج الاستثمارات الساخنة وتزايد حالة عدم اليقين.
لكن الدرس الأكبر في هذه الأزمة لم يكن اقتصاديًا فقط، بل كان سياسيًا واستراتيجيًا، فقد اكتشفت دول كثيرة أن الرهان على التحالفات غير المتوازنة أو على الوعود السياسية قد لا يوفر الحماية المطلوبة في لحظة الخطر، وأن الدول التي تفرط في أوراق قوتها تصبح أكثر عرضة للضغوط عندما تتغير موازين القوى.
ومن هنا تبدو المفارقة واضحة في الموقف المصري، الذي حافظ عبر السنوات الماضية على قدر كبير من التوازن الاستراتيجي في علاقاته الدولية، فمصر لم تنجرّ إلى سياسات المغامرة، ولم تنخرط في تحالفات صدامية، كما أنها لم تتخلَّ عن ثوابتها التاريخية في قضايا المنطقة.
وقد أدركت القاهرة مبكرًا أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر الانخراط في صراعات المحاور، بل عبر بناء قوة الدولة من الداخل، وتأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والطاقة، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية.
ولهذا السبب، ركزت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية على بناء احتياطيات استراتيجية من السلع الأساسية، وتطوير البنية التحتية للطاقة، وتنويع مصادر التعاون الاقتصادي مع مختلف القوى الدولية، وهو ما منح الاقتصاد المصري قدرًا من المرونة في مواجهة الصدمات العالمية.
ورغم أن مصر لا يمكن أن تكون بمعزل عن تداعيات أي صراع إقليمي كبير، فإن وجود هذه السياسات الوقائية يخفف من حدة التأثيرات، ويمنح الدولة مساحة أكبر للتحرك في إدارة الأزمات.
إن ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط يؤكد مرة أخرى أن النظام الدولي يعيش مرحلة إعادة تشكيل، وأن الصراعات الإقليمية لم تعد مجرد نزاعات محلية، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع بين القوى الكبرى على النفوذ والموارد وممرات التجارة العالمية.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح السؤال الحقيقي أمام الدول العربية هو: كيف يمكن بناء موقف عربي أكثر استقلالًا وقدرة على حماية المصالح المشتركة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية؟
فالمنطقة العربية تمتلك من الموارد الاقتصادية والموقع الجغرافي ما يجعلها قادرة على أن تكون قوة مؤثرة في الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى قدر أكبر من التنسيق السياسي والاقتصادي حتى تتمكن من تحويل هذه الإمكانات إلى قوة حقيقية.
إن الدرس الذي تكشف اليوم بوضوح هو أن الأمن لا يُشترى بالأموال، وأن الاستقرار لا يُبنى بالتنازلات، وأن الدول التي تحافظ على استقلال قرارها الاستراتيجي هي الأكثر قدرة على عبور العواصف.
ولهذا يمكن القول إن ما نشهده اليوم ليس مجرد حرب جديدة في الشرق الأوسط، بل لحظة كاشفة تعيد طرح الأسئلة القديمة حول طبيعة العلاقات الدولية، وحدود القوة، وحدود الاعتماد على الآخرين.
لقد انتهى الدرس يا عرب، والدرس واضح لمن يريد أن يفهم.
في عالم تحكمه المصالح، لا مكان للأوهام، ولا يمكن ترويض الذئاب بالهدايا، وإنما تُبنى الدول القوية على إرادة شعوبها، وعلى قدرتها على حماية مصالحها وصياغة مستقبلها بيديها، لا بيد غيرها.





