د. محمد الجوهرى: توترات الحرب لا تهدد استقرار بنوك مصر وسحب الأموال ليس قرارًا رشيدًا
كتب: على طه
قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الجوهري في تصريحات خاصة لـ«موقع بيان الإخباري» إن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وما يصاحبها من احتمالات اتساع نطاق المواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل، تثير تساؤلات لدى الرأي العام والمستثمرين حول مدى تأثير الأوضاع الجيوسياسية على استقرار البنوك والسيولة داخل الجهاز المصرفي في مصر.
وأوضح الجوهري أن التجارب الاقتصادية تشير إلى أن الحروب والصراعات الجيوسياسية لا تؤدي عادة إلى انهيار الأنظمة المصرفية بشكل مباشر، وإنما تنتقل آثارها عبر مسارات غير مباشرة مثل ارتفاع أسعار الطاقة، وتقلب أسعار العملات، وتحركات رؤوس الأموال الدولية.
وأضاف أن تقييم تأثير ما يحدث في المنطقة يجب أن يتم من خلال قراءة السيناريوهات المحتملة لمسار الصراع.
وأشار إلى أن السيناريو الأول يتمثل في احتواء الصراع خلال فترة قصيرة نتيجة ضغوط دولية أو تفاهمات سياسية، وفي هذه الحالة يقتصر التأثير على ارتفاع مؤقت في أسعار النفط والذهب مع بعض التقلبات في الأسواق المالية العالمية، وربما خروج محدود للاستثمارات الأجنبية من بعض الأسواق الناشئة.
وأكد أن مثل هذا الوضع لا يشكل أزمة سيولة حقيقية للبنوك، بل قد ينعكس فقط في صورة طلب مؤقت على الدولار أو ضغوط محدودة على سعر الصرف، وهي أمور يمكن للبنوك المركزية التعامل معها بسهولة من خلال أدوات السياسة النقدية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اتساع نطاق الحرب واستمرارها لفترة أطول، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين على التجارة العالمية، الأمر الذي قد ينعكس بدوره على معدلات التضخم في العديد من الدول. كما قد يؤدي إلى خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة بحثًا عن الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار.
ورغم ذلك، يؤكد الجوهري أن الأنظمة المصرفية تظل قادرة على التعامل مع هذه الضغوط، خاصة مع تدخل البنوك المركزية لضخ السيولة وتنظيم الأسواق المالية.
وتابع أن السيناريو الثالث، وهو الأكثر حدة لكنه الأقل احتمالًا، يتمثل في حدوث صدمة اقتصادية عالمية كبيرة، مثل تعطّل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
وفي هذه الحالة قد ترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، وقد يشهد الاقتصاد العالمي موجة تضخم قوية وتقلبات واسعة في الأسواق المالية. ومع ذلك، يشير التاريخ الاقتصادي إلى أن انهيار البنوك غالبًا ما يرتبط بأزمات مالية داخلية مثل سوء إدارة المخاطر أو انهيار الأصول، وليس بالحروب في حد ذاتها.
وفيما يتعلق بتساؤلات بعض المواطنين حول جدوى سحب الأموال من البنوك والاحتفاظ بها في المنازل كإجراء احترازي، أكد الجوهري أن هذا الخيار لا يُعد قرارًا اقتصاديًا رشيدًا، موضحًا أن البنوك تخضع لرقابة مالية صارمة وتلتزم بنسب سيولة مرتفعة تضمن قدرتها على تلبية طلبات السحب في أي وقت.
كما أن الاحتفاظ بالأموال داخل الجهاز المصرفي يوفر مستوى أعلى من الأمان والتنظيم مقارنة بتخزينها في المنازل، الذي قد يعرضها لمخاطر الفقدان أو السرقة فضلاً عن فقدان العائد المالي.
واختتم الجوهري تصريحاته بالتأكيد على أن القاعدة الاقتصادية الأكثر توازنًا في مثل هذه الظروف هي الاحتفاظ بسيولة محدودة في المنزل تكفي الاحتياجات اليومية والطوارئ لعدة أيام فقط، مع إبقاء المدخرات الأساسية داخل النظام المصرفي حيث تتوافر الحماية والرقابة والاستقرار المالي.
وأضاف أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط قد تفرض ضغوطًا على أسعار الطاقة والتجارة العالمية وسعر الصرف، لكنها لا تعني بالضرورة وجود تهديد مباشر لاستقرار البنوك أو السيولة داخل الجهاز المصرفي، خاصة في الدول التي تمتلك نظامًا مصرفيًا منظمًا وقادرًا على مواجهة الأزمات.





