شريف عبد القادر يكتب: لماذا لا نراعي حرمة الموتى؟!

بيان

لو عدنا إلى بدايات إقامة مدافن القاهرة القديمة، لوجدنا أنها أُقيمت حول مساجد أولياء الله الصالحين تبركًا بهم، وكانت هذه المساجد في أماكن متطرفة.

ولا يخفى أن النظام الملكي كان حريصًا على بيوت الآخرة. وبعد ٢٣ يوليو ١٩٥٢ بسنوات، بدأ انتهاك حرمة الموتى لشق طريق بين المدافن أُطلق عليه شارع صلاح سالم تكريمًا لأحد رفاق عبد الناصر، فتمت إزالة مدافن تعسفًا لإنشاء الشارع الذي يمتد حتى مصر القديمة.

وتمر السنين ويُقام كوبري السيدة عائشة رضي الله عنها عام ١٩٧٧، وتمت إزالة مدافن لم يعلم أصحابها بذلك من أجل الكوبري.

وللأسف كنت أشاهد عظامًا وجماجم موتى على يمين الطريق المؤدي إلى الميدان أثناء ذهابي إلى معسكري التجنيدي خلف القلعة، إذ لم يفكر جبابرة إزالة المدافن في جمع الرفات ودفنها احترامًا لحرمة الموتى، وكأنهم يعاقبون الموتى لعدم معرفة ذويهم وحضورهم لنقلها.

والعجيب أن التخبط الإداري والاقتصادي منذ عهد عبد الناصر من أسباب الزحف السكاني نحو المدافن، بسبب انتقال سكان محافظات الوجهين البحري والقبلي للإقامة في القاهرة نتيجة “افتكاسة” المركزية التي أغرت كثيرين بالسكن في العاصمة نظرًا لإهمال باقي المحافظات.

وفي عام ١٩٦٥ صدر قانون بخصوص الجبانات، لتصبح أرضها حق انتفاع وتعد من أملاك الدولة التي تستردها وقتما تشاء، ببركات عبد الناصر.

وبدلًا من إيجاد وسيلة لمنع الزحف نحو المدافن، فوجئنا بجمال مبارك وأحمد عز يطلقان ما سُمِّي “مصر ٢٠٣٠” أو “مصر ٢٠٥٠”، وكان المشروع الذي أعلنا عنه إزالة جميع المدافن من شارع صلاح سالم حتى البساتين، واستثمار أرضها في إقامة ملاهٍ — نعم ملاهٍ — وحدائق وعمارات سكنية، وإزالة مستشفى العباسية للأمراض النفسية وإقامة بديل لها في مدينة ٦ أكتوبر، وكذلك إزالة حديقة الحيوان والأورمان وإقامة بديل لهما في مدينة ٦ أكتوبر، وبناء عمارات سكنية على أراضيهما.

وعندما اعترض كثيرون، وعلى رأسهم العالم المحترم زاهي حواس الذي أوضح أن كل ما سلف ذكره يُعد أثرًا لبلوغه أكثر من مائة عام، تراجعت “العصابة” عن تنفيذ مخططها، واضطروا إلى تحويل الجزء الأمامي من مستشفى العباسية إلى حديقة بعد أن كانوا سيبدأون منه التنفيذ.

والآن تحدث إزالات للمدافن بتوسع دون اهتمام بمشاعر المواطنين. وكنت أعتقد أن الدولة ربما تكافئ موتانا بتجديد المدافن وتنظيمها، لكونهم استراحوا وأراحوا، ولكن ما يحدث يثير تساؤلًا: هل النية معقودة لتنفيذ مخطط جمال مبارك وأحمد عز لإزالة المقابر بالتدريج؟ أم هي تعليمات مستثمر أجنبي تُنفَّذ على مراحل؟ وهل وصل بنا الأمر إلى ألا نحترم حرمة الموتى منذ عبد الناصر، بينما نحترم حرمة الموتى اليهود؟ وهل مدافن الكومنولث بمصر الجديدة تلائم العمارات المجاورة لها؟ اعتبروا مقابرنا “كومنولث”!

للأسف، بعد أن أصبحنا متخصصين في تجريف الأراضي الزراعية، أصبحنا متخصصين في تجريف المدافن دون اعتبار لحرمة الموتى. كما أن المنشور الصادر من محافظة القاهرة يوضح أن المحافظة غير مسؤولة عن نقل الرفات، دون مراعاة للظروف الحالكة التي يمر بها أغلب الشعب. كما يقع ظلم على أصحاب المدافن ذات المساحات الكبيرة بمنحهم بديلًا أصغر، فضلًا عن تعرضهم للنهب ممن سيقومون بالأعمال هناك.

إن ما يحدث ربما يدفع البعض إلى اتباع أسلوب الدول التي تحرق جثامين موتاها وتجمع رمادهم في زجاجة، مثلما حدث مع أنديرا غاندي، رئيسة وزراء الهند.

وإذا لم تكن النية متجهة لإزالة كل المقابر بالتدريج، فلماذا لا يتم الإعلان في الصحف القومية عن خريطة توضح أماكن المدافن التي ستُزال في كل المناطق؟

لقد شاهدت في ميلانو الجديدة بإيطاليا مدافن قريبة من عمارات سكنية، وكذلك في فرانكفورت بألمانيا.

حرمة الموتى لا بد أن تُحترم.

اقرأ أيضا للكاتب:

زر الذهاب إلى الأعلى