من التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي

 

سردية يكتبها: محمد سليمان

الكثير من الناس يعشقون مشروب القهوة، حتى إن احتساء القهوة يوميًا أصبح يمثل عادة لهم.
لكن هل يعلم محبو مشروب القهوة التاريخ الثقافي لمشروبهم المفضل؟

تختص بعض المشروبات عن غيرها بتاريخ ثقافي زاخر، وعلى رأس تلك المشروبات مشروبا الشاي والقهوة، ولكلٍّ من المشروبين أنصار ومحبون، بل قد وصل الحال عند بعضهم إلى حد التخاصم والتلاسن.

يَصِمُ أنصار “الشاوية” أو “الشائية” (علم جمال الشاي) القهوةَ بالغرور، والنبيذَ بالغطرسة، والكاكاو بالبراءة المتكلفة، ويسبغون السحر فقط على الشاي.

بينما غالى البعض في الحديث عن تاريخ القهوة وأثرها؛ فعالم الاجتماع الكندي جون مانزو قال مرة إن علم الاجتماع لم يكن ليُوجَد لولا القهوة والمقاهي (راجع قهوة نامة لعبد الله الناصر).

ويروي الكاتب أنتوني وايلد في كتابه (القهوة.. تاريخ أسود) عن أحدهم قوله إن بعض الروايات الإنجيلية أوردت أن شجرة المعرفة أو شجرة الخلد التي بسببها هبط آدم وحواء من الجنة لم تكن شجرة تفاح بل كانت شجرة البن.

ويذكر المؤرخون أن بدايات ظهور القهوة في القطر المصري ترجع إلى القرن السادس عشر الميلادي، وأن من اكتشفها أحد الصوفية في اليمن، عندما وجد عنزةً تأكل من أوراق شجرة صغيرة، وظهر عليها نشاط زائد، فأخذ الصوفي تلك النبتة وغلى بعضًا منها في الماء، وهنا ظهرت القهوة كما يقول أحد الكتّاب.

ويؤكد ذلك الكاتب جيرار جورج ليمير في كتابه (تاريخ المقاهي)، حين يذكر أن شيخًا صوفيًا هو الذي وجد في تناول القهوة سندًا يساعده على قضاء شعائره الصوفية.

وتختلف الروايات حول مكتشف القهوة، فيقال إن الصوفي أبا بكر العيدروس هو أول من اهتدى إليها، وتقول بعض الروايات إن الصوفي اليمني علي بن عمر الشاذلي هو من اكتشفها، بينما يرى آخرون أن الشيخ جابر البكري هو مكتشفها، في حين تذهب رواية أخرى إلى أن أحد رعاة الماعز الإثيوبيين هو أول من اكتشفها.

وعندما ظهرت القهوة في العالم العربي أحدثت فتنة وهزة عظيمة.
ولعل تلك الفتنة ترجع إلى المسمى؛ إذ إن لفظ “القهوة” عند العرب كان يُطلَق على الخمر، وما أبعد تأثير القهوة عن الخمر، فالأولى يصنفها الصيادلة من المنبهات، والثانية من المسكرات.

ومن أسباب تلك الفتنة أيضًا أن القهوة استُخرجت في بادئ الأمر – كما يقول البعض – من نبتة القات المخدرة المنتشرة في اليمن، ثم ما لبث أن استُخرجت من نبتة البن، ولذلك كان يُشاع استخدام لفظ “القهوة البنية” تمييزًا لها عن أي قهوة أخرى.

ومن أسباب الفتنة كذلك اشتهار الصوفية بتناول القهوة كمعين لهم في ممارسة شعائرهم، لما لها من أثر على جلب السهر وتنشيط العقل.
وفي تلك الأزمنة كان بعض الصوفية يتعاطون نبتة “القنب”، وكانوا يطلقون عليها “حشيشة الفكر”، ويرون أنها تزيد من النشاط العقلي والجسدي.

وما أبعد تأثير القهوة عن الحشيش؛ فالأولى لا تُحدث أي أثر سلبي في عقل متناولها، أما متعاطي الحشيش فيمر بثلاث مراحل:

  1. المرحلة الأولى: لا يصيب متعاطي القنب شيء، فيبدو كالشخص الطبيعي.

  2. المرحلة الثانية: تزيد قدرته على التركيز حتى يُخيَّل لمن يجالسه أنه رجل ذو فكر ثاقب.

  3. المرحلة الثالثة: تختلط الأشياء في عقله وتحدث له بعض الهلاوس البصرية.

ويذكر الكاتب الألماني فالتر بنيامين في كتابه (عن الحشيش) أنه بعد تجربة التعاطي اللحظية وبلوغه مرحلة النشوة قال:

“شعور الوحدة يختفي سريعًا، عكازي يمنحني شعورًا طيبًا، مقبض إبريق القهوة المستخدم هنا بدأ فجأة كبيرًا جدًا، وبقي على تلك الحال… يصبح المرء رقيقًا جدًا يخاف أن الظل الساقط على الورقة قد يجرحها، يختفي الغثيان، يقرأ المرء التعليقات على المباول.”

وفيما يخص نبتة الحشيش، فإن القاعدة الشرعية تقول: ما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام.

اختلف فقهاء المسلمين عند ظهور نبتة البن بين التحليل والتحريم، فهناك من أحل شرب القهوة، وآخرون حرموها، بل كفّر بعضهم القائلين بحلها، وقد أثّر هذا الخلاف الفقهي على رأس السلطة السياسية.

ويرى بعض المؤرخين أن تحريم القهوة كان في أساسه ذا دوافع سياسية، إذ أزعجت رأسَ السلطة فكرةُ تجمع الناس لاحتسائها.
لكن في نهاية المطاف انتصر الفريق الذي أفتى بحِلّ القهوة، وانتشرت في ربوع الوطن العربي.

ومن الغريب أن يحدث الصدى ذاته في الغرب، بين من أجاز شربها ومن منعه بدعوى أنها “شراب المسلمون”، حتى إن بعضهم وصفها بأنها “عصيدة محمدية”.
ويذكر عبد الله الناصر في كتابه (قهوة نامة) أن أحد باباوات الكنيسة الكاثوليكية قام بتعميد القهوة، وبذلك أُجيز شربها رسميًا.

أما بالنسبة للقهوة كمكان معد لتناول المشروبات، فلابد من الإشارة إلى أن أماكن مشابهة كانت موجودة قبل ظهور القهوة كمشروب، وكانت تقدم مشروبات كالزنجبيل والحلبة والينسون.
لكن حين ظهرت القهوة وأحدثت “زلزالًا” حقيقيًا في العالم، أُطلقت على تلك الأماكن تسمية المقاهي.

كان أصحاب المقاهي في القاهرة – كما جاء في وصف مصر – يستعينون برواة السير الشعبية لإنشاد قصص مثل سيرة أبي زيد الهلالي والظاهر بيبرس وعنترة بن شداد، وكان الراوي يستعين بآلة وترية كالعود أو الربابة أثناء الإلقاء.
وانتشرت ظاهرة رواة السير الشعبية كما يقول الكاتب جمال الغيطاني عقب الهزائم العسكرية الكبرى للشعب المصري، إذ تتجلى حينها صورة المخلّص المتجذّرة في العقل الجمعي المصري.

مقهى قاهرى قديم
مقهى قاهرى قديم

بظهور الراديو اندثرت ظاهرة رواة السير الشعبية على المقاهي، وإن كانت تظهر أحيانًا في حفلات الزفاف الريفية ليلة الحنّة، ومن أبرز من مارسها الشاعر صلاح فتحي سليمان نجل الشاعر فتحي سليمان، والشاعر شرف التمادي، ويعمل ابنه الشيخ سعيد الآن في المهنة نفسها وإن كان ليس بصيت والده، والواقع أن الظاهرة في طريقها إلى الاندثار.

ويذكر المستشرق إدوارد وليم لين أثناء زيارته للقاهرة في القرن التاسع عشر أن بها ألف مقهى.
وفي القرن العشرين ظهر الأثر الثقافي للمقهى القاهري بوضوح؛ ففي قهوة متاتيا بالعتبة اجتمع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الله النديم وسعد زغلول، حيث كان الأفغاني يوزع السعوط بيمناه والثورة بيسراه.
وفي قهوة ريش اجتمع نجيب محفوظ ورفاقه من “الحرافيش”.

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

وفي قهوة الكمال بالجيزة التقت قامات فكرية وأدبية كأنور المعداوي، ومحمود السعدني، ورجاء النقاش، وعبد الرحمن الخميسي، وعبد القادر القط، وزكريا الحجاوي، ونزار قباني، ونجيب سرور، وغيرهم.

انتشرت الندوات الأدبية في القرن العشرين متخذة من المقاهي مقرًا لها، فأصبح بحق عصر المقاهي الثقافية.
أما في القرن الحادي والعشرين، فقد خفَتَ الدور الثقافي للمقهى القاهري، بل انتهى تقريبًا، وأصبح المثقفون – إن وُجدوا – لا يبرحون أبراجهم العاجية، بينما حلّت الشبكات العنكبوتية محل المقاهي الثقافية والندوات الأدبية.

طالع المزيد:

–  “الإسكان” تسلم “الثقافة” أول موقع لمشروع “المقهى الثقافي” بالعلمين الجديدة

زر الذهاب إلى الأعلى