قرار أممي يمهّد للقاء في البيت الأبيض: مجلس الأمن يرفع العقوبات عن الشرع

كتب: على طه

في تحركٍ غير متوقع، تبنّى مجلس الأمن الدولي قرارًا برفع العقوبات المفروضة على الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، بعد أكثر من عقدٍ من القيود السياسية والاقتصادية المفروضة على دمشق.
القرار، الذي صاغته الولايات المتحدة، حظي بتأييد 14 دولة من أصل 15 عضوًا، بينما امتنعت الصين عن التصويت دون استخدام حق النقض (الفيتو)، ما سمح بتمريره بسهولة نادرة في ملفٍ طالما شكّل ساحة انقسام بين القوى الكبرى.

الخطوة تأتي قبيل لقاء مرتقب بين الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم الاثنين المقبل، وهو اللقاء الذي يُتوقع أن يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز العلاقات الثنائية.

واشنطن تعيد فتح القنوات السياسية مع دمشق

تبدو الإدارة الأمريكية من خلال هذا القرار وكأنها تختبر نهجًا جديدًا تجاه سوريا، بعد سنوات من العقوبات والعزلة الدبلوماسية. فرفع العقوبات عن رأس الدولة السورية يشير إلى رغبة في إعادة دمج دمشق تدريجيًا في المسار السياسي الدولي، ربما في إطار مقاربة جديدة تهدف إلى تحقيق توازن بين الاحتواء والضغط.

ويقرأ مراقبون القرار الأمريكي على أنه إشارة إلى تراجع لغة المواجهة المباشرة التي اتبعتها واشنطن منذ عام 2011، لصالح سياسة براغماتية تستند إلى تقاطع المصالح في ملفات محورية، مثل مكافحة الإرهاب، والحد من النفوذ الإيراني في سوريا، وضمان أمن الحدود الإسرائيلية.

موقف موسكو وبكين.. غموض محسوب

ورغم تمرير القرار بسلاسة، إلا أن موقف موسكو وبكين ما زال محاطًا بالغموض. فبينما امتنعت الصين عن التصويت دون اعتراض صريح، حافظت روسيا على صمتٍ دبلوماسي، ما يُفهم منه أنها تراقب التطور الأمريكي دون تصعيد.

ويرى محللون أن موسكو قد ترى في الخطوة فرصة لإعادة تدوير النظام السوري دوليًا، شريطة ألا تُضعف نفوذها الميداني والسياسي الذي رسّخته عبر تدخلها العسكري منذ عام 2015.

أما الصين، التي طالما تبنّت موقفًا حذرًا ومتوازنًا تجاه الأزمة السورية، فقد اختارت الامتناع عن التصويت لتجنّب الصدام مع واشنطن، مع الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية المتنامية في الشرق الأوسط.

خلفيات القرار

منذ اندلاع الأزمة السورية في مارس 2011، واجهت دمشق عقوبات غربية صارمة استهدفت شخصيات وكيانات اقتصادية وسياسية، من بينها الرئيس أحمد الشرع نفسه.
لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأت عدة دول عربية وغربية في مراجعة موقفها تدريجيًا، خصوصًا بعد استعادة الحكومة السورية السيطرة على معظم الأراضي وعودة التواصل الدبلوماسي مع عدد من العواصم العربية.

ويبدو أن قرار مجلس الأمن يأتي تتويجًا لهذا الاتجاه، ليشكل منعطفًا في التعاطي الدولي مع الملف السوري، وربما تمهيدًا لعودة دمشق إلى المشهد السياسي العالمي، خاصة في ملفات إعادة الإعمار واللاجئين ومحاربة الإرهاب.

تداعيات محتملة على الداخل السوري والأقليم

رفع العقوبات عن الشرع وخطاب قد يفتح الباب أمام تخفيف الضغوط الاقتصادية عن الحكومة السورية، ويسهم في تحريك عجلة الاستثمار والمساعدات الدولية التي توقفت منذ سنوات.
كما قد يعزز القرار موقف دمشق التفاوضي في أي مفاوضات سياسية قادمة برعاية الأمم المتحدة، ويمنحها شرعية دولية جديدة كانت تفتقر إليها منذ بداية الأزمة.

على الصعيد الإقليمي، من المتوقع أن تتفاعل العواصم العربية بحذر مع التطور الجديد، خصوصًا تلك التي استعادت علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق مؤخرًا، مثل القاهرة وأبوظبي.

 بداية مرحلة أم اختبار للنوايا؟

يرى خبراء العلاقات الدولية أن اللقاء المرتقب بين الشرع وترامب سيكون بمثابة اختبار لمدى جدية الولايات المتحدة في إعادة صياغة مقاربتها للملف السوري.
فهل يمثل القرار خطوة نحو تسوية شاملة للصراع السوري، أم أنه مجرد تحرك تكتيكي قصير المدى يخدم أهدافًا أمريكية داخلية وخارجية محددة؟
الإجابة ستتضح في الأسابيع المقبلة، مع ما سيصدر من نتائج عن لقاء البيت الأبيض المرتقب.

مسار العقوبات على سوريا منذ 2011

بدأت العقوبات الدولية على سوريا مع اندلاع الأزمة في مارس 2011، حين فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قيودًا على مسؤولين حكوميين ومؤسسات مصرفية وقطاعات الطاقة والتجارة، في إطار ما وصفته بـ”الضغط لوقف العنف ضد المدنيين”.
وفي عام 2012، تبنى مجلس الأمن الدولي أول حزمة من القرارات التي استهدفت شخصيات مقربة من النظام السوري، بينها تجميد أصول ومنع سفر.
توسّع نطاق العقوبات لاحقًا ليشمل المصرف المركزي السوري وشركات الطيران والنفط والاتصالات.

أما التحول الأكبر فجاء في يونيو 2020، مع دخول ما يعرف بـ”قانون قيصر” الأمريكي حيز التنفيذ، والذي فرض عقوبات شاملة على أي جهة تتعامل مع دمشق في مشاريع إعادة الإعمار أو التعاون الاقتصادي، ما أدى إلى شلّ حركة الاستثمار والتجارة الخارجية، وزاد من معاناة الاقتصاد السوري.

ورغم استمرار العقوبات الغربية حتى اليوم، شهدت السنوات الأخيرة مؤشرات على تراجع العزلة السياسية؛ إذ استعادت دمشق عضويتها في جامعة الدول العربية عام 2023، كما أعادت بعض الدول العربية فتح سفاراتها في العاصمة السورية.

ويُعد قرار مجلس الأمن الأخير أول رفع رسمي لعقوبات دولية عن شخصيات سورية بارزة منذ أكثر من عقد، ما يعكس تحوّلًا واضحًا في المقاربة الدولية تجاه الأزمة السورية، ويفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة لسياسات العقوبات والاحتواء التي حكمت الموقف الغربي طوال السنوات الماضية.

طالع المزيد:

الشرع: لا نسعى للحرب ولا نشكل تهديداً لإسرائيل.. وسنلاحق الأسد قانونياً

زر الذهاب إلى الأعلى