قصة البغاء ونساء الوعد فى مصر: قراءة من منظور دراسات التابع (الجزء الثالث)
.. فجور الأجانب

سردية يكتبها: محمد سليمان
كانت تجارة العبيد منتشره في العالم ، ففى أزمان ملك فيها الإنسان أخاه الإنسان ، بأن استعبده وامتلك جسده يؤمره بفعل ما يريد وإن رفض أمراً أو هرب فهو عبد آبق يعذبه سيده كيفما يشاء أو ربما يقوم بقتله .
لقد عانت البشريه لفتره كبيرة من الزمن من وطئة تجارة الرقيق وكانت أوضاع الرقيق مؤلمة للغاية فهى بحق صفحة مظلمه من صفحات التاريخ التى يندى لها الجبين.
وفي القرن التاسع عشر بدأت الدول في إلغاء تجارة الرقيق تدريجياً وكانت تونس هي أول دوله تقوم بإلغاءها في العالم عام ١٨٤٦ م ثم بدأت الدول تباعاً في إلغاء تلك التجارة المؤلمه والتى تمثل بحق جُرحاً غائراً في وجه البشريه يأبى أن يندمل.
ورغم تجريم الإتجار بالبشر إلا إن ظاهرة الإستعباد الجنسي أو ما يطلق عليها الرقيق الأبيض نسبة إلى أن أغلب المستعبدات جنسيأ كن من الأوربيات ذوات البشرة البيضاء كانت منتشره وظاهره واضحه للعيان مما أدي إلى قيام بعض الإتفاقيات الدوليه لمحاربتها .
كان العالم في أوائل القرن العشرين ممتلئاً بشبكات دوليه للإتجار في الرقيق الأبيض مما يُعتبر معه تلك الجريمه من الجرائم المنظمه العابره للحدود .
أصبحت مصر في النصف الأول من القرن العشرين جزءا أساسياً من شبكة تجارة الرقيق الأبيض الدوليه.
ويورد الدكتور بكر عبدالوهاب في كتابه (الشوارع الخلفيه- الجريمه في مصر في القرن العشرين) تقرير لجنة الخبراء الخصوصيه التابعه لعصبة الأمم المتحدة عن الإتجار بالنساء الراشدات والقاصرات والصادر عام ١٩٢٧م عن وجود شبكة ضخمه لتجارة الرقيق الأبيض من أوربا إلى مصر عبر موانى الإسكندريه وبور سعيد.
وكانت أغلب تلك النسوه التي يتم جلبهن عبر تلك الشبكه فرنسيات وكان يتم إرسالهن إلى مصر عبر ميناء مارسيليا.
كما يشار إلى وجود تعاون وإرتباط وثيق بين القوادين الأجانب المتواجدين بمصر بقيادات تلك الشبكه بأوربا.
يذكر توماس رسل حكمدار شرطة القاهره في مذكراته قصه موريتز شبيجل والذي وجد مقتولاً في بيته بوش البركه والذي كان مسجلاً لدى البوليس المصري أنه ضالع في تجارة الرقيق الأبيض والذي تبين أن قاتله هو شريكه سندنيكو والضالع أيضاً في ذات التجاره.
كان القوادين الأجانب يتمتعون بالحصانه ضد القوانين المصريه هم ومن يحمونهن من العاهرات الأوربيات بسبب قانون الإمتيازات الأجنبية .
لم تكن ممارسة الدعارة في مصر في ذلك الوقت قاصره على النساء الوطنيات(المصريات) فقط بل شاركتهن المومسات الأجنبيات.
ولابد أن ننوه أن المحتل الإنجليزى سمح للمومسات الوطنيات والأجنبيات من كافة الجنسيات بممارسة الدعارة إلا أنه حظر على النساء البريطانيات ممارسة تلك المهنة الوضيعه.
وكانت هؤلاء الأجنبيات يعملن في ممارسة مهنة الدعاره على الأرجح في كلاً من القاهره والأسكندريه وبعض مدن القناه كما يذكر الدكتور عبدالوهاب بكر في كتابه الشوارع الخلفيه .
وكانت منطقة وش البركه وشارع كلوت بك هي المنطقة الخاصة بالعاهرات الأجنبيات في القاهره.
تعتبر ظاهرة دعارة الأجنبيات من أخطر الظواهر التى أثرت على الصحه العامه لمرتادى تلك البيوت من طالبى المتعه الحرام .
حيث كانت هؤلاء الأجنبيات يتم جلبهن من خارج مصر وكن من الدرجه الثالثه والاتى أنهكهن المرض و لفظتهن مرسيليا
كما يذكر توماس رسل في مذكراته .
بسبب قانون الإمتيازات الأجنبيه لم تخضع العاهرات الأجنبيات للائحة البغاء وبالتالي لم يخضعن للكشف الدوري الأسبوعي المنصوص عليه بلائحة البغاء.
وعلى إثر ذلك إنتشرت الأمراض الجنسيه الخطير ه في الأماكن التي تتواجد فيها المومسات الأجنبيات .
يورد دكتور لواء نيازي حتاته في موسوعته العالمية للإنحرفات الجنسيه قول الدكتور بورتڤاليس بك في كتابه البغاء أو خطر العهاره في القطر المصري قوله
(المعروفات في هذه الحرفه في القطر المصري هن الوطنيات فقط أما الأجنبيات وهن الأكثر ضررا فلا يعترفن بسلطة البلديه وسلطة الصحة الوطنيه فلا يتفحصهن طبيب الحكومه ولا يتنازلن لحمل الشهاده عن حالتهن الصحيه كما يجري في بلادهم )
بل ويذكر د نيازى حتاته مدير الأمن العام بوزارة الداخلية سابقاً (أنه أجري إحصاء بنفسه في إحدى السنوات وتبين له أنه من بين ١٥٣ عاهره أوربيه وجد ١٤١ منهن مريضه أما العاهرات الوطنيات فإنه وجد أنه من بين ١٤٩ عاهره وجد ٥٣ منهن مريضه بسبب أن الوطنيات يتقدمن للكشف الطبي بمعرفة طبيب الحكومه دائماً أما الأجنبيات فلا فإذا سألت الأجنبيه عن شهادتها فإنها إما تريك شهاده قديمة التاريخ من طبيب كان يهواها ، وإما أن تظهر أنفتها منك فتطردك ،فبسبب الإمتيازات عُرضت مصر للأمراض الزهريه أكثر من سواها من بلاد الله).
كما يذكر اللواء نيازي حتاته أنه قضت عليه مهنته ،أن يزور هذه الأماكن التي تعمل فيها المومسات الأجنبيات فوجد فيها نساء أجنبيات ممتلئات بالزهرى في أشد خطورته وأنه في بيت واحد تسكنه خمس بنات كانت أربع مصابات وهؤلاء متمتعات بامتياز لا يكاد يتصوره فكر إنسان …فلا يحق البوليس أن يضع رجله في تلك الغرف دون إذن القنصليه التابعات لها.
بسبب عدم إلتزام العاهرات الأجنبيات بالكشف الطبي عليهن إنتشرت الأمراض الجنسيه وخاصة مرض الزهرى والأرقام التي أوردها الدكتور عبدالوهاب بكر في كتابه الشوارع الخلفيه نقلاً عن تقرير لجنة بحث موضوع البغاء المرخص به في القطر المصري مفزعه حيث يورد التقرير أن عدد الذين أتموا العلاج من الأمراض الزهريه في سنة ١٩٣٤ كان ٣٩٥٩٧ بينما كان عدد من انقطعوا قبل أن يتموا العلاج ٣٠٦٧٦ كان عدد النساء منهم ١٥١٥٤.
يذكر راسل باشا حكمدار القاهره آنذاك أن قانون الإمتيازات الأجنبيه كان معوقا رئيسيا للتعامل مع دور البغاء الأجنبية غير المرخصة حيث كان يستلزم للدخول إلى بيت الدعاره حضور القنصل الخاص بذلك الأجنبي أو من يمثله ويذكر راسل باشا أن أحد بيوت البغاء التى تقع فى حي البومباشي لم يستطع هو أو رجاله الإقتراب منها بسبب التغيير الدائم لجنسية القواده وكانت تلك حيله من أصحاب تلك البيوت لمنع دخول الشرطه إلى البيت ويذكر توماس رسل أنه عندما وصل إلى ذلك البيت ومعه مندوب القنصل الفرنسي للتفتيش على الرخصة لدى القواده الفرنسيه التي تدير المنزل إنفتحت شراعة الباب وسمع صوتاً أجش يخبره إن مدام يوفانا باعت البيت إلى مدام جنتيل الإيطاليه التى من دون القنصل الإيطالى لا تستطيع الشرطه المصريه الدخول إلى البيت ويخبرنا راسل أنه في الاسبوع التالي ذهب إلى البيت ومعه القنصل الإيطالى ليجد تغييراً جديدا في جنسية مديرة الدار
حتى أنه كما يذكر رسل في إحدى المرات قام بسبع محاولات يغير فيها مندوب القنصل حتى يتمكن في النهاية من إنفاذ القانون وهزيمة العاهرات.
كما يذكر بورتڤالس بك في كتابه البغاء أو خطر العهاره في مصر( أنه في بيت واحد قد تسكن بنات من خمس جنسيات أو ست فلكل غرفه علمها الخاص ولدخول ذلك البيت يجب آخذ إذن من خمسه إلى ستة قناصل فهل يتصور العقل في القرن العشرين يجرى مثل هذا في بلد متمدين)
في ٨ مايو عام ١٩٣٧م وقعت عدداً من الدول إتفاقية مونترو والتى بموجبها تم الاتفاق على إلغاء نظام الامتيازات الأجنبيه في مصر بأن يخضع الأجانب إلى القانون المصرى وتم وضع فتره انتقالية لمدة ١٢ سنه وتم تحديد تاريخ 14/10/1949موعداً لإلغاء المحاكم المختلطه طبقاً لنص المادة الثالثة من اتفاقية مونترو على أن تسمى الفتره من تاريخ 15/10/1937 حتى 14/10/1949 فتره انتقالية طبقا لما ورد بذات الماده ومنذ تلك الاتفاقية بدأت العاهرات الأجنبيات رويداً رويداً في العودة إلى بلادهن الإصليه خوفا من تطبيق القانون المصرى عليهن .
لينتهى فصل من الفصول المؤلمه من تاريخ البغاء في القطر المصري.





