محمد أنور يكتب: ماذا وراء حريق بنها؟
بيان
كانت الغفلة هى السبب الرئيسي في الحريق، وضحيتها سبعة أرواح خرجت من بيوتها بحثًا عن العلاج فعادت في أكياس سوداء.
سبعة متوفين، وأربعة مصابين، داخل مركز يُفترض أنه لعلاج الإدمان، وفي قلب منطقة سكنية مكتظة، لا في صحراء نائية ولا في مبنى مهجور. كارثة بكل المقاييس، ولا يجوز أخلاقيًا أو وطنيًا أن تمر مرور الكرام أو تُختزل في بيان مقتضب أو خبر عابر.
عن أن المركز مرخص لم يعد مبررًا، بل صار اتهامًا إضافيًا.
تفرض الحقيقة نفسها دائما دون تزيين لغوي أو مجاملات: أين كانت اشتراطات الحماية المدنية؟
أين مخارج الطوارئ؟
أين خطط الإخلاء؟
أين أجهزة الإنذار؟
هل كانت الأبواب تُغلق على المرضى؟
هل كانوا يتلقون علاجًا أم محتجزين خلف أقفال؟
سبعة أشخاص ماتوا اختناقًا داخل مكان يُفترض أنه يُعيدهم إلى الحياة.
هذا وحده كافٍ ليُعلن فشلًا ذريعًا، لا حادثًا عرضيًا ولا سوء حظ
ثم يبرز السؤال الأخطر، والأكثر إيلامًا:
هل يُعالج المريض داخل بعض مراكز علاج الإدمان بطرق طبية آمنة وإنسانية؟
أم يُحتجز بالقهر، ويُقيد بالعنف، ويُعامل كمتهم لا كمريض؟
هل تُصان كرامة الإنسان، أم تُسحق باسم «العلاج»؟
الأخطر من الحريق نفسه هو العالم الخفي الذي انكشف فجأة أمام الجميع: مراكز تعمل بعقلية السجن لا المستشفى، وبمنطق القهر لا الطب، وتتعامل مع المريض كأنه عبء أو سلعة، لا إنسان له حق الحياة والكرامة.
وهنا يجب أن يُطرح السؤال بلا خوف: كم مركز علاج إدمان في محافظة القليوبية يعمل بلا ترخيص كامل وتحت مرأى ومسمع الجميع؟.
وكم مركزًا يحمل ترخيصًا رسميًا، لكنه إذا خضع لتفتيش حقيقي سنكتشف أن«الترخيص شيء، والمركز شيء آخر»؟.. وكم لجنة تفتيش مرّت وغمضت عينيها؟.. وكم تقرير كُتب ليُحفظ في درج مغلق؟.
نحن لا نبحث عن شماعة ماس كهربائي، ولا عن قضاء وقدر يُستخدم للهروب من المسؤولية.
ما حدث ليس قدرًا، ما حدث نتيجة مباشرة للإهمال، والتراخي، والتواطؤ بالصمت.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية السياسية والتنفيذية تفرض على معالي المهندس أيمن عطية، محافظ القليوبية، تحركًا فوريًا وحاسمًا لا يقبل التأجيل: فتح ملف مراكز علاج الإدمان بالكامل داخل جميع مدن المحافظة،
حصرًا دقيقًا للمرخص وغير المرخص، مراجعة حقيقية لا شكلية لاشتراطات الحماية المدنية والصحية والإنشائية،
لجان تفتيش مفاجئة لا تعرف طريق المجاملات، إغلاقًا فوريًا لأي مركز يثبت مخالفته أو تعريضه حياة المرضى للخطر، وإحالة كل من قصّر أو تواطأ أو اكتفى بالتوقيع دون رقابة إلى جهات التحقيق.
هذه ليست رفاهية إدارية، بل واجب إنساني، لأن المدمن ليس مجرمًا بل مريض.





