أيام الصحافة: كيف وصلتُ إلى أسرار محمد نجيب ومذكرات يوسف صديّق؟

سردية يكتبها: عاطف عبد الغنى
في العامين الأخيرين (تقريبًا) من القرن العشرين المنقضي، شرعتُ أجمع شهادات القادة من الضباط الأحرار الذين كانوا على قيد الحياة.
وقد ساقتني الأقدار لهذه المهمة عن طريق صديق كانت عمته هي الزوجة الثانية للواء محمد نجيب (القائد الشرفي لثورة 23 يوليو 1952)، وأول رئيس لجمهورية مصر العربية، ودلني هذا الصديق على ابن أخت محمد نجيب، وكان في ذلك التاريخ (قبل حوالي 28 عامًا) لواء جيش متقاعد يدعى (حسن.. لا أتذكر اسم ابيه)؛ فأجريت مع الأخير حوارًا عن ذكرياته مع خاله، وصرنا أصدقاء، حتى توفاه الله بعدها بسنوات قليلة.
وسألته عن أقارب آخرين للواء نجيب فدلني اللواء حسن على أسرة يوسف محمد نجيب، الابن الوحيد الذي تزوج وأنجب ذرية من أبناء الجنرال الرومانسي النبيل نجيب.
وكان الرجل (اللواء حسن) كريمًا؛ إذ أعطاني نسخة نادرة من أول كتاب ألفه اللواء نجيب، بعد خروجه من الحكم ونشر الكتاب خارج مصر بالإنجليزية يضم مذكراته، وكانت النسخة مترجمة باللغة العربية وتحمل عنوان: “مصير مصر”.
وذهبتُ إلى أسرة المرحوم يوسف ابن أول رئيس لجمهورية مصر العربية اللواء، وكانت تسكن شقة صغيرة في مساكن شعبية معروفة باسم “مساكن عثمان” بالمرج؛ ورأيتهم ناس طيبين .. أسرة بسيطة مكونة من الزوجة وابنتين: الكبرى نجيبة وبعدها سامية وكانت طالبة في كلية الحقوق، ومحمد فتى في عمر الصبا (في ذلك التاريخ).
وخرجت من تلك الأسرة بصداقة حقيقية، وثقة فى شخصىة لا حدود لها، خاصة بعد ثلاثة تحقيقات نشرتها عن نجيب وعن الأسرة في مجلة “أكتوبر”، وكانت الأسرة فخورة بها، وأتذكر أن الابنة الكبرى نجيبة قالت لي باللفظ: “أنت أول صحفي ما تطلعناش شحاتين ولا تتاجر بينا” مثلما فعل فلان وفلان…
وتقودني الأقدار مرة أخرى حين دعوتُ منير التوني، أحد مخرجي الدراما التلفزيونية، على العشاء في بيتي، وكان مرشحًا لإخراج سهرة درامية لي، فأتى الأخير للعشاء مصطحبًا صديقًا له، وهو رجل خمسيني، وقدّمه لي قائلاً: “ابن البطل يوسف صديّق، أبوه اللي أنقذ ثورة 23 يوليو لما خرج بقواته وحاصر قيادة الجيش، وكان أخطأً في ساعة الصفر المحددة لخروجه؛ إذ خرج قبل ميعاده بساعة، ولولا هذه الساعة لكانت الثورة…” (لو أردت معرفة الحكاية اقرأ الأوراق المرفقة بأسفل).
طبعًا أكون صحفيًا فاشلاً لو مر الموضوع مرور الكرام! فانتظرتُ بعدما تناول الرجل العشاء وحلى، وسألته:
“ألم يترك المرحوم والدك مذكرات؟ حسب علمي لم تُنشر مذكرات له”.
أجابني أنه بالفعل تحدث للصحافة لكن لم تُنشر مذكراته، وأفاد بأن هذه الأوراق بحوزة “لولا” (اسم الدلع لـ “ليلى”). وتساءلت: من لولا؟ فأوضح أنها ابنته من زوجته الأخيرة، ولما سألته إن كان بإمكانه التوسط لديها لتسمح لي بالحصول على نسخة من هذه المذكرات لنشرها، فاعتذر الرجل بأدب لانقطاع التواصل بينهما، لكنه منحني رقم هاتفها لأحدثها بنفسي مباشرة في الأمر.
وقد كان.. ذهبتُ واستقبلتنى ليلى (الزوجة الأولى للمطرب مدحت صالح)، بترحاب، ومنحتني نسخة من أهم ما في المذكرات: “ليلة الثورة كما رواها يوسف صديّق”.
وتصادف أن تاريخ ذكرى الثورة كان قد اقترب؛ وعندما دخلتُ على الأستاذ رجب البنا (رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير مجلتي العزيزة “أكتوبر”، أمد الله في عمره)، مكتبه مزهوا بنفسي كالطاووس، واحمل في يدي نسخة مصورة من المذكرات، وسألته: “هل أعددنا مادة عن ثورة 23 يوليو يا ريس؟”، فأجابني: “لا، عندك أنت إيه؟”، فأجبته من فوري: “عندي انفراد لأول مرة ينشر في الصحافة.. مذكرات يوسف صديق عن ليلة الثورة!”.
لاحت ابتسامة على وجه الأستاذ رجب الذى شجعنى كثيرا ومنحنى فرص للنشر ومكافآت كثيرة، وقال: “توكل على الله، شوف عايز كام صفحة وروح وضّب”، بمعنى أن أخرجها فنيا بالتوضيب على الماكيت.
وقد كان.. وإن لم تخنّي الذاكرة، فقد منحني الأستاذ رجب مكافأة عن هذا السبق.
وفيما بعد، طلب مني أحد الناشرين كتابًا عن ثورة 23 يوليو، فجمعتُ الأحاديث والتحقيقات والتقارير في كتاب صدر بعنوان “الانقلاب على ثورة يوليو”.
وفيما يلي صور فصل المذكرات الخاص بالبطل يوسف صديق، والكتاب كله متاح على مواقع البحث بصيغة (PDF) لمن يريد الاطلاع عليه… كانت أيامًا كنا نعمل فيها بالصحافة بحق وشغف.





