عاطف عبد الغنى يكتب: “سري للغاية”.. الإخوان فى وثائق السفارة الأمريكية بالقاهرة
بيان
– مراكز الفكر الغربية هندست لـ “تفجير الفوضى” وتحولت الجماعة إلى “جسر” لتمرير مخططات الفوضى.
– برقيات السفارة الأمريكية بالقاهرة تكشف تعهدات الكتاتني والحسيني السرية للحفاظ على كامب ديفيد مقابل شرعية واشنطن.
– تقارير السفارة تحذر من إمبراطورية خيرت الشاطر المالية: “كارتل موازي” لإنهاك مفاصل الدولة.
بين المعجم اللغوي والمعنى الاصطلاحى، يبقى مفهوم “السياسة” أحد أكثر المصطلحات تعرضاً للمناورة والتوظيف والظلم؛ ولعل دورة برلمان عام 2005 (مجلس الشعب) كانت كاشفة لطبيعة اللعبة السياسية في مصر آنذاك، وذلك حين حصدت جماعة الإخوان 88 مقعداً، بينما عجز الحزب الوطني الحاكم عن تحقيق هذه المقاعد أو الأغلبية المطلقة بعد إعلان نتائج جولتى الانتخابات، إلا بعد “شراء ولاء” النواب المستقلين الذين سبق واستبعدوا من الترشح على قوائم الحزب عبر المجمع الانتخابي، وبعد إعلان النتائج اضطر الحزب لضمهم فى كتلته تحت القبة، في خطوة كسرت اللوائح التي تمنع تغيير الصفة التى ترشح عليها عضو البرلمان بعد دخوله المجلس (حزبى أم مستقل)، ليحصل الحزب على 311 مقعدًا من أصل 454 مقعدًا (بين المنتخبين والمعينين).
وتحت قبة البرلمان، تجاور الراحلان كمال الشاذلي، أمين عام الحزب الوطني، ومحمد مرسي العياط، رئيس كتلة الجماعة آنذاك، ودار بينهما حوار شهير رواه مرسي بنفسه بعد أن أصبح رئيسا فقال إن الشاذلي ألتقاه في أروقة مجلس الشعب وقال له متهكما: “السياسة نجاسة.. وأنتم يا ناس أطهار.. اتركوا لنا النجاسة وخليكم في الطهارة”.
وفى تاريخ قريب وتحديدا بعد تفجيرات دهب ونوبيع 2006 أجريت مناظرة بين دكتور رفعت السعيد ومرشد الجماعة آنذاك مهدى عاكف، والكادر الإخوانى د. أبو الفتوح، (نشرت فى مجلة أكتوبر) وفى نهاية حديثى مع الأخير قلت لأبو الفتوح: “عارف مشكلتكم أيه؟!.. قال: “إيه؟” قلت له أنكم بتشتغلوا سياسة، فبادرنى بالسؤال: “وهو الرسول ما كانش بيشتغل سياسة؟!” فجاوبته من فورى: “مش على طريقتكم الرسول صلى الله عليه وسلم ما كانش براجماتى زيكم”.
وأثبت الواقع فيما تلى من أيام وأحداث أن الجماعة قررت أن تمارس السياسة حسبما ذكر الشاذلى وتلعبها دون مبادىء، ولا ثوابت، ولا قانون، فتقترف كل الذنوب وبكامل رغبتها.
.. “ترستقت” الجماعة على مقاعدها فى مجلس الشعب لتتحول إلى “وصيف رسمي” للحزب الوطني، متفوقة على الأحزاب العريقة كالوفد والتجمع والأحرار.
وفي ذات التوقيت، كانت مراكز الفكر والأبحاث الغربية (Think Tanks) التي تخطط وتهندس لهجمة “تفجير الفوضى” في المنطقة العربية، قد توصلت إلى قناعة بأن الجماعات التي ترفع الشعارات الدينية –وعلى رأسها الإخوان– هي “الجسر المثالي” للعبور نحو تنفيذ مخططات التفكيك، ومن هنا، بدأت شرعنة الاختراق الغربي عبر فتح قنوات اتصال رسمية وحوارات مباشرة مع نواب الجماعة في البرلمان، ودعمها قانونياً ومادياً تحت غطاء منظمات استخبارتية تحمل صفة المدنية والجنسية الأمريكية، مثل “فريدوم هاوس” و “فريدوم كوست، التى كانت تمول الجماعة وأفرادها وتدعمهم أمام القضاء المصرى، وكان يحدث هذا بشكل معلن، ووما خفى كان أخطر، وقد كشفت ما عرف بـ “كابلات ويكيليكس Wikileaks Cables” عن جانب منه، وبخاصة المراسلات السرية الصادرة عن السفارة الأمريكية فى القاهرة، إلى إدارة (وزارة) الخارجية فى واشنطن، وحين الكشف عنها عرّت رسائل الصندوق الأسود “الوجه البراجماتي” للجماعة في غرف الدبلوماسية الغربية المغلقة، بعيداً عن الشعارات التي كانت تُرفع في الشارع المصري.
“سري للغاية”
حملت المراسلات الدبلوماسية الصادرة من القاهرة إلى واشنطن بين عامي 2006 و2010 تصنيفات أمنية مشددة مثل (Secret/NoForrn)، وشكّلت تفاصيلها صدمة سياسية حقيقية تطيح بالشعارات الرنانة التي كانت الجماعة تسوّقها الجماعة في الشارع المصري، وتخدع بها البسطاء من الشعب المصرى.
الضمانات السرية بشأن إسرائيل
وعلى سبيال المثال، بينما كانت منابر الجماعة ومظاهراتها تصدح بالشعارات المعادية لإسرائيل والولايات المتحدة، كشفت برقية سرية مؤرخة في عام 2007 – صاغها دبلوماسيون أمريكيون عقب لقاءات مع قيادات إخوانية بارزة مثل سعد الحسيني ومحمد سعد الكتاتني (عضوا البرلمان) – عن تقديم الجماعة لـ “تعهدات سرية” واضحة للإدارة الأمريكية.
وجاء مضمون التسريب (الوثيقة) يشير إلى أن القيادات الإخوانية أكدوا للمسؤولين الأمريكيين أن الجماعة، في حال وصولها إلى السلطة أو مشاركتها فيها، “لن تلغي اتفاقية كامب ديفيد”، وتلتزم تماماً باحترام كافة المعاهدات الدولية التي وقعتها الدولة المصرية.
وفى ذات الرسالة ومن باب تقدير الموقف، علّق السفير الأمريكي فرانسيس ريتشاردوني لرؤسائه فى واشنطن لافتاً في نص البرقية يقول: “الجماعة تبدي مرونة مدهشة خلف الأبواب المغلقة، وتتعامل مع ملف إسرائيل ببراجماتية شديدة تختلف كلياً عن خطابها التحريضي الموجه لقواعدها في الشارع”.
ملف الأقباط والمرأة.. الدولة المدنية الزائفة
في العلن، بذل إعلام الجماعة جهوداً مضنية لتسويق مفهوم “الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية” لطمأنة القوى الوطنية والشركاء الأقباط، لكن وثائق ويكيليكس فضحت العقيدة الإقصائية الحقيقية للجماعة في الغرف المغلقة أثناء مناقشة مسودة برنامجهم السياسي عام 2007، حيث تضمنت برقية أخرى صادرة عن السفارة الأمريكية إلى إدارة الخارجية والمسئولين الآتى:
في لقاءات خاصة ومعمقة، اعترف قادة الإخوان للدبلوماسيين الأمريكيين صراحة بأنهم “لن يسمحوا أبداً بقبول قبطي أو امرأة في مقعد رئاسة الجمهورية”، وأن هذا المنع قطعي وغير قابل للنقاش في فقه التنظيم.
وفى التعقيب جاء تحليل السفارة الأمريكية يصف هذا الموقف بأنه يزيح الستار عن “الجوهر الراديكالي الحقيقي” للجماعة، مؤكدا (التحليل) أن خطابات التحول الديمقراطي والاندماج المدني ليست سوى تكتيك علاقات عامة مؤقت لاستقطاب الدعم الدولي.
الشاطر.. إمبراطورية المال الخفي
وكشفت الوثائق المسربة أيضا أن السفارة الأمريكية بالقاهرة أفردت برقيات تحليلية دقيقة ركزت بالكامل على شخصية “خيرت الشاطر” (نائب المرشد) خلال فترة توقيفه في قضية “ميليشيات الأزهر” عام 2007، لرصد خيوط القوة المالية للتنظيم.
وفى مضمون أحدى هذه البرقيات وصفت التقارير الأمريكية الشاطر بأنه :”المرشد الفعلي، والمهندس الرأسمالي والتنظيمي الأقوى للجماعة” (The Real Power Behind the Throne).
الخطورة الفكرية والتنظيمية
وكشفت الوثائق أن الدبلوماسية الأمريكية كانت تتبع بدقة شبكة الشركات، والواجهات الاقتصادية، والمؤسسات المالية التي يديرها الشاطر، وحذرت البرقيات واشنطن من أن الإخوان تحولوا من “تيار دعائي” إلى “كارتل اقتصادي عابر للحدود” يمتلك قدرة فائقة على تمويل عمليات سياسية ضخمة ومعقدة بعيداً عن الرقابة الرسمية للدولة.
إستراتيجية “التغلغل المتدرج” وتحاشي الصدام مع الجيش
وأظهرت التقارير المرفوعة إلى وزارة الخارجية الأمريكية أن الجماعة اعتمدت خطة بعيدة المدى للسيطرة على مقاليد الأمور في مصر، لا تقوم على المواجهة المباشرة المفاجئة، بل على آلية “الإنهاك البطيء لمفاصل الدولة”.
ووثقت المراسلات وعي قيادات الإخوان الكامل بأن “المؤسسة العسكرية المصرية” تمثل خط الدفاع الأخير والحصن المنيع لحماية الهوية الوطنية؛ بناءً عليه، قضت إستراتيجية الجماعة بتجنب أي صدام مباشر مع الجيش في تلك المرحلة.
آلية التسلل
كما ركزت البرقيات على رصد الاختراق الممنهج الذي مارسه الإخوان في “المؤسسات الوسيطة” (النقابات المهنية، نوادي أعضاء هيئة التدريس، الجمعيات الأهلية، ومراكز الإغاثة)، حيث اعتبرت السفارة أن الجماعة نجحت في بناء “دولة موازية صامتة” تتحين لحظة الفراغ السياسي الأمني الكبير للانقضاض على السلطة.
“التقية السياسية” في أعلى تجلياتها
وتكمن الخطورة الشديدة في هذه الحزمة من التسريبات الدبلوماسية في كونها تقدم “الشهادة الغربية الموثقة الأولى” على ممارسة جماعة الإخوان لما يوصف بـ”التقية السياسية” فى أعلى درجاتها؛ حيث انقسم سلوك التنظيم إلى مسارين متناقضين تماماً: الخطاب الموجه للشارع والقواعد، والخطاب الموجه للدوائر الدبلوماسية الغربية.
الشعارات الحماسية المتطرفة والعنيفة فى مقابل خطاب ناعم، مرن، ومستعد للمساومة.
دغدغة العواطف الدينية للشباب البسيط، والمهمش، وفي القرى والنجوع، فى ذات الوقت الذى يتم فيه تقديم تنازلات إستراتيجية تمس الأمن القومي.
إعلان العداء المطلق للغرب وإسرائيل، والتعهد سرا بحماية المصالح الأمريكية ومعاهدة السلام.
إن هذا التناقض الصارخ الذي وثقته تقارير السفارة الأمريكية بالقاهرة، يكشف بصورة مجردة كيف تحولت المبادىء والفكر والشعارات الدينية لدى الجماعة إلى مجرد “أدوات براجماتية” لضمان البقاء السياسي، والوصول إلى مقاعد الحكم، وعلى حساب ثوابت الهوية الوطنية ومقدرات الأمن القومي المصري.





