علي عبد الغني يكتب: فرسان الثانوية العامة
بيان
تُعَد إمتحانات الثانوية العامة كابوساً مروعاً لكل أسرة تعاصر هذه المرحلة، لكن التاريخ يخلد عقولاً فذة تحدت هذا الخوف ؛ وثلاثة من أشهر هؤلاء الفرسان تخرجوا في مدرسة المتفوقيين بعين شمس .
الفارس الأول : أيمن هندى (دفعة 1978)
أول طالب يحصل على نسبة 102% بعد إضافة المستوى الرفيع.
تخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة سنة 1983 (قسم الهندسة المدنية)، وكان الأول على دفعتة ، ورغم حصوله على منحة من معهد MIT الأمريكي المرموق ( الأول عالمياً )، فإن روتين الكلية إشترط حصوله على الماچستير من مصر أولاً . وحتى لا تضيع الفرصة. إستقال وهاجر ، فنال درجتيّ الماچستير والدكتوراة من MIT.لاحقاً، تخصص في الإقتصاد ونبغ فيه، حتى عُيِنَ أستاذاً بجامعة ستانفورد العريقة،واليوم يدير شركة عالمية برأسمال 12 مليار دولار ، وإستضافته الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 2000 بصفته واحداً من رموز الإقتصاد على مستوى العالم كله ، وألقى بها بعض المحاضرات في الــ School of Business بالجامعة.
الفارس الثاني: أحمد عبد السلام ستين
(دفعة 1973) من فرط ثقته كان يُصر على الإجابة بالريشة والحبر الشينى وبخط الرقعة، لتُنقل ورقته إلى لجان تصحيح خاصة . تربع على عرش الثانوية العامة عام 73 بنسبة 100% ، وواصل تفوقه ليكون الأول طوال سنوات دراسته فى كلية الطب، ويشغل حالياً منصب أستاذ طب الأطفال بجامعة المنصورة.
الفارس الثالث: محمد الجوادى (دفعة 1976) ، وهو صاحب أشهر تصحيح في تاريخ الثانوية العامة ، حيث جاء في إمتحان الثانوية عام ١٩٧٦ سؤالاً في النحو على الصيغة التالية: إستبدل “كان” بــ “إن” في الجملة التالية ، وغَيّر ما يلزم : كان العاملون مجتهدين.
فكتب محمد الجوادى في ورقة الإجابة: هذا السؤال خطأ ، لأن الباء ” تدخل على المتروك ” ، وكان من الواجب أن يُكتب السؤال على الصيغة التالية : إستبدل “إن” بــ “كان” ، وغَيّر ما يلزم . ووجدوا فى الكونترول أنه في مدرسة المتفوقين بعين شمس، فكان الأساتذة بالمدرسة يفتخرون بذلك.
واصل محمد الجوادى نبوغه حتى صار أستاذاً بكلية الطب ، وزميلاً زائراً في أمراض القلب والأوعية الدموية، في كليفيلاند كلينيك أوهايو أمريكا منذ عام 1991 ، حيث تعد مؤسسة كليفلاند كلينك من أفضل ثلاث مستشفيات في الولايات المتحدة الأمريكية.
وصار الدكتور الجوادى عالماً موسوعياً ، جمع بين الطب والأدب والتاريخ والنقد واللغة والفكر السياسي والتنموي، وقد حقق على مدى تاريخه العلمي والعملي إنجازات متفردة أهلته ليكون أصغر مصري على الإطلاق يحصل على ثمانية تكريمات رفيعة المستوى:
فهو أصغر من نال عضوية مجمع اللغة العربية 2003 (مجمع الخالدين) والمجمع العلمي المصري 2008 و إتحاد كتاب مصر 1979، كما أنه أصغر من حصل على: جائزة الدولة التقديرية 2004 ، و جائزة الدولة التشجيعية 1982 ، وجائزة مجمع اللغة العربية 1978، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى 1985.
وقد ألف عشرات الكتب فى مجالات متنوعة ، وكان آخر كتاب ألفه عن “المتشابهات فى القرآن الكريم” ، وهو موضوع لا يُتقِن الحديث فيه إلا من عاش مع القرآن بعمق.
توفى الجوادي يوم (9 يونيه 2023) بعد صراعٍ مع مرض السرطان ، ودفن في قطر حيث كان يقيم في الأعوام الأخيرة.
رحلوا أو إبتعدوا ، لكن قصصهم تبقى دليلاً على أن النجاح الحقيقي يبدأ بخطوة إصرار، وينتهي بأثر ممتد يغير العالم.





