د. عبد الغنى الكندى يكتب: إيران بين ثلاثة مسارات
بيان
على سبيل التقديم
احتفت الجمعية السعودية للعلوم السياسية عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس”، بالمقال التحليلي الرصين الذي سطره الدكتور عبد الغني الكندي، في صحيفة “الشرق الأوسط”، والذي تناول فيه المشهد الإيراني المعقد تحت عنوان: «إيران بين ثلاثة مسارات».
ووصفت الجمعية مقال الدكتور الكندي، الأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية، بأنه يمثل “سردًا تحليليًا علميًا صِرفًا”، حيث نجح في توظيف مجموعة من نظريات العلوم السياسية العميقة لتفكيك ماضي وحاضر النظام الإيراني، وتقديم رؤية استشرافية للمستقبل.
والمقال كان من المقرر أن يحمل عنوانًا أكثر مباشرة وهو: «متى ينهار النظام الإيراني؟ وما الذي يؤخر السقوط؟»، إلا أن اعتبارات تحريرية وصحفية أدت إلى تعديله للعنوان المنشور، مع الحفاظ الكامل على جوهر الطرح الأكاديمي الذي يسعى لفهم ديناميكيات البقاء والتراجع في هيكل السلطة الإيرانية.
ولأهمية المقال يعيد “موقع بيان” نشره فى التالى:
نص المقال
إيران بين مسارات ثلاثة
وفي هذا السياق، تُظهر أدبيات الاختيار العقلاني المؤسسية أنَّ الانتقال السياسي لا يحدث لأن الجميع «يريد الديمقراطية»، بل لأن الفاعلين الرئيسيين يعيدون حساب تكلفة الاستمرار مقابل تكلفة التغيير؛ إذ تُقيّم النخب الحاكمة مخاطر الانقسام أو القمع، بينما تحسب قوى المعارضة فرص الربح وإمكانات النجاح، ويختار كل طرف في النهاية الخيار الذي يبدو أقل تكلفة داخل القيود المؤسسية القائمة.
في هذا الإطار، تُفهم الاحتجاجات الحالية في إيران بوصفها تعبيراً عن تآكل عميق في الشرعية الاجتماعية، خصوصاً بين الأجيال الشابة والنساء، وقد نجحت في كسر حاجز الخوف وإعادة تعريف ما هو مقبول في المجال العام. غير أن هذا الزخم، على أهميته، يظل غير حاسم ما لم يتحوَّل إلى أزمة قرار داخلية أو إلى قوة اجتماعية موحّدة قادرة على اختراق الترتيبات المؤسسية القائمة. فالتاريخ المقارن لعلم السياسة يُظهر أن الأنظمة السلطوية تسقط عادة عندما تنقسم النخب حول تكلفة الاستمرار مقابل تكلفة التغيير، أو عندما تواجه جماعات متضررة موحدة تفرض واقعاً مؤسسياً جديداً، لا عندما يحتج أو ينتفض الشارع فقط. ويعزز هذا الاستنتاج أن احتجاجات إيرانية سابقة، مثل الحركة الخضراء عام 2009، ورغم اتساعها الرمزي والاجتماعي، لم تُفضِ إلى تغيير حاسم لغياب الانقسام النخبوي وتوحّد الفاعلين المعارضين.
وتتفاقم هذه المحدودية بسبب طبيعة الجماعات المتضررة في الحالة الإيرانية. فهذه الجماعات ليست كتلة واحدة بمطالب موحدة. بل تتوزع بين مطالب اقتصادية (التضخم، البطالة، تدهور المعيشة)، ومطالب اجتماعية – ثقافية (الحريات الشخصية، وحقوق النساء)، ومطالب سياسية (المساءلة والإصلاح المؤسسي). هذا التنوع يعكس عمق الأزمة واتساعها، ويُضعف فرص التوحد التنظيمي، وصياغة برنامج سياسي جامع قادر على تحويل السخط إلى ضغط مؤسسي متماسك. ودون هذا التوحد، تبقى الطاقة الاحتجاجية عالية التأثير اجتماعياً، لكنها محدودة الحسم سياسياً.
أما الدور الأميركي، فينبغي فهمه بوصفه عاملاً مُسرِعاً لا حاسماً. فالضغط الأميركي -عبر العقوبات والعزلة السياسية والتهديدات- يرفع تكلفة الاستمرار على النظام، لكنه يعمل بشكل غير مباشر عبر إعادة توزيع الكلفة الاجتماعية. فإذا ما تركزت تكلفة العقوبات على المجتمع أكثر من النخب المحمية، فإنَّ النظام قد ينجح في إعادة توظيف خطاب «التآمر والحصار الخارجي» لتعزيز التماسك الداخلي بدل تفكيكه، خصوصاً عندما تُربط ببقاء الدولة والفوضى المحتملة والمتوقعة من انهيارها. وبالمقابل قد يدفع التهديد العسكري الأميركي إلى اصطفاف دفاعي داخل النخبة الحاكمة. ويضاف إلى ذلك أن سيناريو الانهيار المفاجئ للنظام يُنظر إليه إقليمياً بوصفه عالي التكلفة أمنياً، لما قد يخلفه من فراغ استراتيجي واضطراب في توازنات الردع والاستقرار الإقليمي، وتشكل أطول شريط جيوسياسي في العالم يتَّسم بالفوضى وغياب الاستقرار، وهو السيناريو الذي يحد من قابلية الحسم الأميركي.
كما يتعزَّز هذا التماسك النسبي للنخبة بطبيعة النظام الإيراني ذاته، بوصفه نظاماً عقائدياً شمولياً لا يكتفي بالسيطرة على المجال السياسي، بل يعمل أيضاً على توحيد النخبة آيديولوجياً وتنظيمياً. ففي الأنظمة الشمولية، لا تقوم النخبة على تحالف مصالح مرن فحسب، بل على اندماج وجودي بين بقاء النظام وبقاء الفاعلين داخله. هذا الاندماج يقلّص فرص الانقسام؛ لأنَّ الخروج من التحالف الحاكم لا يعني خسارة الامتيازات فقط، بل قد يعني تهديداً مباشراً للأمن والمكانة والوجود. لذلك، يصبح انهيار هذا النوع من الأنظمة أكثر صعوبة، ولا يحدث عادة إلا عند تفكك متزامن في أدوات الضبط الآيديولوجي والقسري معاً، وهو ما لم يتبلور بعد في الحالة الإيرانية.
وليس المسار الإيراني استثناء في هذا السياق المقارن؛ فقد شهدت دول أخرى احتجاجات واسعة وضغوطاً خارجية قوية مع بقاء النظام بسبب تماسك النخبة، من بينها كوبا، والصين، وكوريا الشمالية، وفنزويلا، وروسيا. وحتى الآن، لا تزال النخبة المركزية في إيران -المرشد، والحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، والقضائية- متماسكة نسبياً، ولم تتحوَّل الضغوط المتراكمة إلى انشقاق مؤسسي علني يغير حسابات البقاء.
ختاماً، قد تُضعف الاحتجاجات الإيرانية شرعية النظام وتعيد تشكيل المعايير الاجتماعية، وقد يرفع الضغط الأميركي تكلفة الاستمرار، غير أن الحسم يظل مرهوناً بتحوّل هذا الضغط إلى إعادة حساب داخل بنية السلطة نفسها، عبر نقطة التقاء ثلاثة مسارات: انقسام نخبوي فعلي، أو توحّد الجماعات المتضررة في فاعل منظّم قادر على فرض تكلفة مؤسسية، أو تزامنهما معاً. وما لم يتحقق ذلك، ومع إدراك الكلفة الإقليمية العالية لأي انهيار مفاجئ، سيبقى المسار مفتوحاً على استمرار متأزم أكثر منه انتقالاً حاسماً.





