من “عزرا” إلى “نتنياهو”: الجذور الأيديولوجية للاستعلاء والانغلاق

سردية يكتبها: عاطف عبد الغنى
لا يمكن فهم سياسات “الأبارتهايد” والفصل العنصري التي تمارسها الصهيونية العالمية اليوم في فلسطين المحتلة، دون العودة إلى “المانيفستو” الأول الذي وضعه عزرا الكاتب الذى جمع التوارة لليهود الربانيين، وأطلق كتابة التلمود، وكان ذلك خلال حقبة أسر البابليين ليهود مملكة “يهوذا” (فى العراق) قبل أكثر من 2400 عام، كما تخبرنا “التوارة” فى أصحاحاتها المختلفة.
وما يحدث اليوم من بناء لجدران عازلة، وسن لقوانين “قومية” عنصرية، ليس إلا استنساخاً عصرياً لتكتيكات “النقاء العرقي” التي دشنها عزرا لإعادة صياغة الجماعة اليهودية العائدة من سبي بابل.
عزرا الكاتب: مهندس “الجيتو” الذهني
وحين عاد عزرا إلى أورشليم، وجد مجتمعاً منصهراً ومنفتحاً على جيرانه من الكنعانيين والفلسطنيين وغيرهم، وهو ما اعتبره تهديداً وجودياً لـ “بقاء الجماعة”، ولم تكن معركة عزرا دينية فحسب، بل كانت “هندسة اجتماعية” راديكالية؛ حيث فرض حملة تطهير اجتماعي قسرية، أجبر فيها اليهود على طلاق زوجاتهم “الأجنبيات” وطرد أبنائهم، تحت شعار “الحفاظ على الزرع المقدس”، وهذا الانغلاق لم يكن مجرد عبادة، بل كان “تكتيكاً سياسياً” لتحويل الدين إلى “قلعة مغلقة” لا يقترب منها “الجوييم” (الأغيار).
الصهيونية: من النقاء الديني إلى “الأبارتهايد” القومي
ومن “العزراوية” (نسبة إلى عزرا) ورثت الصهيونية المعاصرة فكرة “الخوف من الاختلاط” وحولتها من مفهوم لاهوتي إلى سياسة دولة (State Policy) سياسة مغرقة فى عنصرية قادت إلى إصدار قانون “القومية اليهودية”، الذي أقرته إسرائيل، والذى يعيد إنتاج صرخة “عزرا” لكن في القرن الحادي والعشرين، بجعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود، تماماً كما جعل عزرا “العهد” حصرياً لمن طلقوا زوجاتهم الأجنبيات.
وفى مظهر عنصرى آخر يبرز الجدار العازل، وهو التجسيد المادي لـ “جدار عزرا” الذهني؛ فالعقلية الصهيونية ترى في الآخر “دَنساً” أو تهديداً للديموجرافيا (تركيبة السكان) النقية”، وهو ما يبرر سياسات الفصل العنصري في الضفة الغربية وحصار غزة.
“تحريم الغوييم” كاستراتيجية بقاء
وما يمارسه اليمين المتطرف اليوم بقيادة نتنياهو، مستنداً إلى نصوص “تحريم الجوييم” (نفي الآخر)، هو استمرار لذات الفلسفة التي ترى في العالم “أعداءً بالفطرة”، وكما استبدل الصهاينة عقدة “اليهودي التائه” بـ “الإسلاموفوبيا” لترهيب الغرب، استلهموا من تاريخ عزرا فكرة أن “البقاء لا يتحقق إلا بالإبادة الثقافية والاجتماعية للآخر”.
“تسييس” النصوص المقدسة
والصهيونية لم تخترع الفصل العنصري من فراغ، بل قامت بـ “تسييس” نصوص عزرا الكاتب وتحويلها إلى ترسانة قانونية وعسكرية، وما صمود الفلسطينيين اليوم إلا مواجهة مع “عقلية الجيتو” التي تحاول خنق التاريخ والجغرافيا.
وإذا كان عزرا قد نجح قديماً في عزل جماعته، فإن التاريخ المعاصر يثبت أن “الحضارات المفتوحة” (العربية والإسلامية) هي التي تبقى، بينما الكيانات القائمة على “النقاء العرقي” تنتهي دوماً بالانفجار من الداخل أو الانكسار أمام حتمية التنوع الإنساني.





