عاطف عبد الغنى يكتب: هذا هو الإسلام (3 من 4).. الدين كله في مشهد واحد

بيان

كل مؤمن هو مسلم بالضرورة، لكن ليس كل مسلم مؤمنًا “بالمعنى الكامل”، كما أشار القرآن الكريم في محكم تنزيله: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} (الحجرات 14)، أي أن الإسلام قد يكون مجرد انقياد ظاهري، بينما الإيمان هو مرتبة أرقى وأعمق تتطلب استقرار العقيدة في القلب، والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، أو كما قال علماء العقيدة:

يزيد الإيمان عندما يزداد حضور الله في حياة الإنسان، ومن مظاهر ذلك: الإكثار من الذكر والصلاة والعبادة، والتفكر في خلق الله، وعمل الخير والصدق والعدل، ومجاهدة النفس وترك المعاصي، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال 2).
ويرتقي المسلم في طريق العمل الصالح، وحركته الدائمة نحو بلوغ الكمال، ليصل إلى أعلى مراتب الإيمان وهي الإحسان، ومن يُرِدِ الله به خيرًا يوصله إلى هذا المقام النوراني.
وفي السنة المطهرة، حديث صحيح يُلقبه العلماء بـ”أم السنة” (كما تُلقب الفاتحة بأم الكتاب)، لأنه لخص الدين كله في مشهد واحد، والحديث ورد في “صحيح مسلم” عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا”، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه!”.
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: “أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره”، قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.
قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: “ما المسؤول عنها بأعلم من السائل”.
قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: “أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان”.
ثم انطلق، فلبثتُ مليًا، ثم قال: “يا عمر، أتدري من السائل؟” قلت: الله ورسوله أعلم، قال: “فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم”.

وبلغة عصرنا، نزل ملاك الله من مقامه في السموات العلا إلى الأرض ليرسم “خارطة طريق” للمسلم، ولجأ إلى “العصف الذهني” ليخرج المعاني ويجريها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وليعلم المسلمين أن الإسلام: هو البداية (الامتثال الصادق للقواعد)، وفي مرتبة أعلى يأتي الإيمان الذي يمثل العمق (رسوخ اليقين في القلب)، ولا يزال الإيمان يزداد بالعمل في قلب المسلم ليصل إلى درجة الإحسان، الذي هو الثمرة (الوصول لدرجة مشاهدة الله بقلبك في كل عمل).

أما وقد بلغ العبد المؤمن هذا المقام، فقد رزقه الله السكينة والبصيرة؛ فالمحسن لا يقلق من رزق، ولا يضطرب من جفاء خلق، لأنه يعيش في كنف “المعية الإلهية”.. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (النحل 128).

طالع المزيد:

عاطف عبد الغنى يكتب: هذا هو الإسلام (2من4).. التوحيد

زر الذهاب إلى الأعلى