عاطف عبد الغنى يكتب: هذا هو الإسلام (2من4).. التوحيد
بيان
“قل هو الله أحد”.. كلمات أربع اختزلت أعظم حقيقة في الوجود، ورسمت المبتدأ والمنتهى لقصة الخلق. لكن هذه الحقيقة البسيطة في منطقها، العميقة في أبعادها، خاضت رحلة طويلة عبر العصور الإسلامية، تنقلت فيها بين أروقة الفقهاء، ومناظرات المتكلمين، وصولاً إلى خلوات الصوفية، ليبقى “التوحيد” دائماً هو المحور الذي لا تميل عنه كفة الإيمان.
في رحلة الفكر الإسلامي، استحقت قضية “التوحيد” أن تكون علما يدرس، ولم يكتف الفقهاء والمحدّثون بتعريف التوحيد بأنه مجرد إقرار بالوحدانية، والتنزيه في مواجهة التشبيه، وفى رحلة البحث الطويلة فى علم التوحيد نجد الإمام أبا حنيفة النعمان يضع القاعدة الذهبية التى تنفى أى وهم للتشبيه، وإثبات هذا الأمر مستنداً إلى قوله تعالى: “قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ” (الأنعام 19). كان الهدف هو إثبات الذات العلية مع نفي المماثلة للمخلوقات، فالشراكة بين الخالق والمخلوق هي شراكة لفظية فقط، أما الحقيقة فـ “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى 11) .
ومن أرباب علم الكلام، جاء الإمام الأشعري ليرسخ دعائم التوحيد عبر الحديث عن “صفات المعاني” السبع، مقيماً الأدلة العقلية التي تتأكد بالنصوص الشرعية، ويؤكد أن انتظام الكون وسلامته من الفساد هما أكبر برهان على وحدانية المدبر: “لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا” (الأنبياء 22).
وعلى الإجمال استقر علماء الشريعة على أن التوحيد بناء يقوم على ثلاثة أصول كبرى لا يستقيم بغيرها، وهى كالتالى:
توحيد الربوبية: الإيمان بالخالق المالك المدبر، وتوحيد الألوهية: إفراد الله بأفعال العباد من دعاء وتوكل ورجاء، وتوحيد الأسماء والصفات: إثبات كمالات الله كما وردت بلا تعطيل ولا تمثيل.
وبهذه الأصول الثلاثة، يتحقق معنى “لا إله إلا الله”، فالتوحيد ليس مجرد كلمة تقال، بل هو شرط قبول العمل وسبيل النجاة، وهو الذي يمنح الإنسان تلك الطمأنينة التي تحرره من الخضوع لغير الخالق، ليرتقي بروحه إلى مقام العبودية الخالصة.
وفي عصرنا الحديث، نقل الإمام محمد عبده التوحيد من “القوالب الجدلية” إلى “الإطار الإصلاحي”، مؤكدا في كتابه «رسالة التوحيد» أن التوحيد هو أساس وحدة الأمة ونهضتها، ودعا الإمام إلى العودة للقدر الواضح والبسيط من العقيدة، مع منح العقل دوراً حيوياً في فهم الإيمان وترسيخه، معتبراً أن سلامة النظر في ملكوت السماوات والأرض هي أقصر طريق لتثبيت العقيدة في النفوس.
لكن، هل التوحيد مجرد “تعريفات” و”أدلة”؟ هنا يبرز دور “أهل الحقيقة” أو المتصوفة، الذين يرون التوحيد من زاوية مغايرة تماماً، وفي هذا السياق، يقدم الدكتور جمال مختار علي، الذى يحب أن يعرّف نفسه بـ “خادم أبناء الطريقة الدسوقية المحمدية”، رؤية وجدانية لافتة، يقول فيها: “التوحيد والوحدانية؛ شعور قبل أن يكون تعريفاً، وشيء لا يمكن أن يُملأ في شكل حروف أو كلمات من أحبار على أوراق؛ بل هو شعور.. أن تكون موحداً لله، فهذا شعور”.
ويرى د. مختار أن الصلاة والصيام والذكر والحج ليست إلا “وسائل مساعدة” لتنمية هذا الشعور القلبي بالوحدانية، وأن وظيفة الداعي هنا ليست “تلقين المعلومات”، بل أن يصل العبد بربه ليقول له: “ها أنت وربك”، وهي دعوة لانطلاق العاطفة الإيمانية وتجاوز الرسوم الظاهرة إلى الأنوار الباطنة.
وبين دقة الفقهاء، وعقلانية المتكلمين، وأشواق الصوفية، يظل “التوحيد” هو الحقيقة المطلقة فى الكون والقضية التي بدأت مع الخليقة، وغزت عروق الرسالات، لتعلم البشرية أن الحرية الحقيقية تبدأ من سجدة صادقة لواحد أحد، لا شريك له في ملكه، ولا مثيل له في ذاته





