كيف يحمي الإسلام الإنسان من قرار اليأس؟.. قتل النفس بين الشرع ومسؤولية الأسرة
كتبت: إيناس محمد
يُعدّ قتل النفس “الانتحار” من أخطر القضايا التي تهدد المجتمعات المعاصرة، إذ تشير الإحصاءات العالمية إلى أنه السبب الثالث للوفاة بين الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا.
وتتداخل خلفيات هذه الظاهرة بين اضطرابات نفسية كالاكتئاب، وتعاطي المخدرات، والأزمات الاقتصادية، والمشكلات الأسرية، وصولًا إلى الشعور بالعجز والوحدة وفقدان المعنى.
ورغم أن الانتحار محرّم شرعًا في الإسلام، باعتبار أن النفس الإنسانية أمانة إلهية لا يملك الإنسان حق التفريط فيها، فإن بعض المجتمعات العربية تشهد حالات متفرقة، لا سيما بين فئة الشباب، ما يفتح الباب أمام تساؤلات ملحّة حول دور الوازع الديني، ومسؤولية الأسرة، والتدابير الوقائية التي أقرّها ديننا الحنيف لحماية الإنسان من القنوط واليأس.
حفظ النفس… أصلٌ من أصول الشريعة
في هذا السياق، تؤكد الدكتورة أمل رضوان، أستاذة الفقه وأصوله، في تصريحات خاصة لـ«موقع بيان»، أن الشريعة الإسلامية جعلت حفظ النفس إحدى الضرورات الخمس، وحرّمت كل ما يؤدي إلى إزهاقها، مستشهدة بقول الله تعالى:
(ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا)، وقوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).
وتوضح أن الانتحار يُعد من أعظم الجرائم، لأنه يتضمن إنكار نعمة الحياة، واعتداءً على حق الله في الخلق والإحياء، فضلًا عن كونه تعبيرًا صريحًا عن اليأس والقنوط، وهما مرفوضان شرعًا.
الشباب والوازع الديني… علاقة متغيرة
وترى الدكتورة أمل أن الشباب، رغم كونهم عماد المجتمعات وأملها في المستقبل، يواجهون تحديات فكرية ونفسية متزايدة في ظل الانفتاح التكنولوجي والتداخل الثقافي. وتشير إلى أن التفاعل مع الدين يختلف من شاب لآخر؛ فبينما يستند بعضهم إلى فهم واعٍ ومقاصدي يحميه من الانهيار، يتأثر آخرون بفهم سطحي أو مشوّه، ما يضعف قدرتهم على الصمود أمام الأزمات.
وتؤكد أن ضعف الوازع الديني ليس السبب الوحيد للانتحار، إذ تتداخل معه عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية، إضافة إلى تأثير الإدمان على الألعاب الإلكترونية العنيفة، وما تحمله من تشويه للقيم والسلوكيات.
هل ضعف الإيمان سبب كل حالة؟
وحول بعض الحالات الصادمة، مثل انتحار أشخاص عُرف عنهم الالتزام الديني، توضح أستاذة الفقه أنه لا يمكن الجزم بسبب واحد بعينه، فالأسباب غالبًا ما تكون معقدة ومتشابكة. لكنها تشدد على أن الوقاية الحقيقية تبدأ من تعميق الوعي الديني والقيمي، إلى جانب توفير رعاية نفسية واجتماعية جادة للشباب.
المسؤولية الشرعية للأسرة
تضع الشريعة الإسلامية الأسرة في موقع المسؤولية الأولى عن حماية الأبناء، انطلاقًا من كونها الحاضنة الأساسية لتشكيل الشخصية والسلوك. وتتمثل هذه المسؤولية في جانبين رئيسيين:
أولًا: التربية الوقائية، وتشمل:
تحصين الأبناء من الأفكار المنحرفة
ترسيخ العقيدة السليمة
غرس القيم الأخلاقية
المتابعة والتوجيه وضبط السلوك
استثمار أوقات الفراغ بما هو نافع
ثانيًا: المعالجة العلاجية، من خلال:
التحلي بالصبر والحكمة في التعامل مع الأخطاء
تجنب العنف والقسوة لما لهما من آثار سلبية
تفهّم الضغوط النفسية التي يمر بها الأبناء
الاستعانة بالمؤسسات المجتمعية والعمل التطوعي كمساحة دعم وإصلاح
تدابير إسلامية لحماية الإنسان من التفكير في الانتحار
وتؤكد الدكتورة أمل أن الإسلام وضع منظومة متكاملة لحماية النفس الإنسانية، من أبرزها:
ترسيخ الإيمان بالقضاء والقدر
تحقيق التوازن النفسي والروحي والجسدي
شغل الوقت بالطاعات والعمل الإيجابي
تجنّب المقارنات الاجتماعية المؤذية
مواجهة الدعوات المروّجة للانتحار قانونيًا وأخلاقيًا.





