خالد سالم يكتب: رسالة صحية متقنة
بيان
ثمة إعلانات تمر عليك فلا تتركك، تسكن فيك وتُقيم، تعود إليها وأنت لا تدري لماذا. وثمة رسائل صحية تُطلق في الفضاء فتتبخر قبل أن تصل، مليئة بالأرقام والإحصاءات والتحذيرات الجدية التي لا يتذكر منها أحد شيئاً بعد ثوانٍ من مشاهدتها.
لكن ما شاهدته في الحملة الإعلامية التي أطلقتها وزارة الصحة المصرية كان مختلفاً من الثانية الأولى.
مشهد بسيط.. فكرة عميقة
المشهد لا يحتاج إلى شرح مطوّل: مواطن في نادٍ، يجلس ويطلب طعامه باسترخاء، والنادل يُدوّن الطلب بأناة مألوفة. ثم، في لحظة غير متوقعة، يُحوّل النادل دفتر الطلبات إلى قائمة من التحاليل الطبية التي ينصح بها، مُصمَّمة خصيصاً لتلك الوجبات التي طلبها. كل ذلك في أقل من دقيقة.
لا خطاب. لا وعيد. لا معادلات طبية معقدة. فقط مرآة صغيرة رُفعت بلطف أمام المشاهد ليرى فيها نفسه.
فن الوصول إلى الناس
القضية الحقيقية في التوعية الصحية لم تكن يوماً في نقص المعلومات، بل في كيفية إيصالها. نحن نعرف أن السكر مضرّ، وأن الشرايين تنسدّ، وأن الكوليسترول يتراكم في صمت. لكن هذه المعرفة النظرية لا تحرك إصبعاً ما لم تُترجَم إلى لحظة شخصية حقيقية، إلى مشهد يُشعرك أن الكلام عنك أنت، لا عن “الآخرين”.
هذا بالضبط ما فعلته هذه الحملة. لم تخطب في الجمهور من فوق، بل جلست إلى جانبه على الطاولة ذاتها، وهمست له بما يجب أن يسمع.
الإبداع ليس ترفاً
كثيراً ما نُفرّق في مجتمعاتنا بين الرسالة الجادة والأسلوب الجذاب، كأن الإبداع ترف لا يليق بالمحتوى الصحي أو التوعوي. وهذا الظن خطأ فادح. الإبداع ليس زينة تُضاف، بل هو الجسر الذي يعبر عليه المحتوى من الشاشة إلى القلب ثم إلى السلوك.
من أطلق هذه الحملة كان يعرف ذلك جيداً. الفكرة مُنجزة بأدوات بسيطة، لكنها تحمل في طياتها تفكيراً عميقاً في نفسية المتلقي وطريقة تعاطيه مع رسائل الصحة العامة.
شكر واجب
لا يضيق القلم حين يؤدي الفضل لأهله.
شكراً للصديق معالي الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة المصري، على قيادة منظومة تُدرك أن صحة المصريين تبدأ قبل المستشفى، وأن الوقاية رسالة تستحق أجمل ما في جعبة المبدعين.
وشكراً للفريق الإعلامي المتميز الذي حوّل فكرة إلى إحساس، وللمنفذين الذين صنعوا من دقيقة واحدة درساً لا يُنسى. هؤلاء هم صنّاع الفارق الحقيقيون، أولئك الذين يعملون في صمت ليصل صوتهم بعيداً.
حين تُبهجك رسالة صحية، وتُعيد مشاهدتها مرة ومرتين وتبحث عنها لتُريها لمن تحب، فاعلم أن شيئاً نادراً قد حدث: أن التوعية وصلت، وأن الفن أدّى دوره.





