خالد سالم يكتب: بلدٌ عربيٌّ اختفى من الذاكرة

بيان

تخيَّل أن تستيقظ صباحًا، فتبحث عن اسم وطنك على الخريطة، فلا تجد له أثرًا… لا عَلَم، لا حدود، لا ذِكر. وكأنه لم يكن يومًا من الأيام. كيف تُمحى دولة عربية كاملة بلا رصاصة واحدة؟.
يقول الدكتور محمد عمارة رحمه الله: “حين يُهزم التاريخ، لا يكون العدو قد انتصر… بل تكون الأمة قد خانت ذاكرتها!”
فيا ترى… هل ما زلنا نُصرّ على خيانة ذاكرتنا؟.

دولة أُسقِطت.. دون حرب

هل تصدّق أن دولة عربية كاملة أُسقِطت من الوجود؟ لا بحرب، ولا بمواجهة، بل بخيانة وورقة وقلم، وبصمت عربي يوجع الروح. لا معركة تُذكر، لا مقاومة ترسم بطولة، بل اتفاق خفيّ في غرف مظلمة، سقطت بعده دولة، وتبعه سقوط ذاكرة أمة رضيت أن تنام بينما تُسرق أوطانها.
إنها ليست رواية سياسية متخيَّلة… بل حقيقة مُرّة اسمها: عربستان.. الأحواز العربية، الوطن الذي استيقظ أهله ذات يوم ليكتشفوا أن اسمهم حُذف، وعلمهم أُسقط، ودولتهم سُرقت… ببساطة توقيع.

عام 1925م.. عام الخيانة الكبرى

في ذلك العام وقعت واحدة من أخطر الجرائم السياسية في تاريخ العرب: اختفاء دولة عربستان من الخريطة. دولة تمتد على مساحة 375,000 كيلومتر مربع، أكبر من سوريا، وتعادل تقريبًا مجموع مساحات تونس وعُمان وقطر ولبنان معًا.
كان يقطنها أكثر من ثمانية ملايين عربي، وكانت أرضها تنضح بالنفط والأنهار والسواحل، وتتحكم بموقعها الاستراتيجي في مجريات الخليج العربي. وعلى رأسها قائد من رجال المواقف: الشيخ خزعل الكعبي — رجل عزّ العرب في زمن قلّت فيه الرجال.

حين يصبح النفط لعنةً على أصحابه

ازدهار عربستان أقلق الغرب، وبريطانيا تحديدًا التي كانت تدير الخليج من خلف الستار. قرروا أن هذا الكنز لا ينبغي أن يبقى في يد من يملك قراره. فكان الاتفاق مع إيران: تُسلَّم الثروات، لكن ليس لأهلها، بل لمن يُطيع وينفّذ الأوامر بلا نقاش.
وفي عام 1925م تمّت الخيانة الكبرى: وفد بريطاني يزور الشيخ خزعل في “ضيافة” مزيّنة بالاحترام، تنتهي باعتقاله اعتقالًا مهينًا. وفي لحظة واحدة… اختفى الشيخ خزعل، واختفت معه دولة بأكملها.

مسح الهوية.. أول أدوات الاحتلال

لم تكتفِ إيران بالسيطرة على الأرض، بل انطلقت في مشروع منظّم لطمس كل ما هو عربي وإسلامي: غيّرت الاسم من “عربستان” إلى “خوزستان”، ومنعت اللغة العربية في المدارس والمؤسسات، وأغلقت المدارس العربية، وهجّرت العرب واستبدلتهم بجاليات غريبة، وقمعت كل رمز للهوية الإسلامية والعربية.
وفي عام 1936م قُتل الشيخ خزعل في زنزانته، بعيدًا عن شعبه وأرضه. وماتت معه كرامة جيل كامل كان على أعتاب الحرية… فخانوه.

لو بقيت عربستان.. لتغيّر التاريخ

تخيّل لو أن عربستان بقيت دولة عربية مستقلة. الخليج العربي كاملًا تحت السيادة العربية. مضيق هرمز في يد العرب. توازن جديد في الشرق الأوسط. شعوب حرة تكتب تاريخها، لا تاريخًا يُكتب عنها بقلم الغرباء.
لكن الأمانة خانها أهلها، وسُرقت الدولة، وسكت العالم العربي.

قصة مُنعت من كتب التاريخ

افتح كتب التاريخ المدرسية ولن تجد ذكرًا حقيقيًا لعربستان. افتح خريطة العالم ولن ترى إلا “خوزستان” بدلًا من “عربستان”. افتح نشرات الأخبار وبالكاد يُذكر اسمها، وإن ذُكر فبهمس خافت. فمن سرق الأرض حاول أن يسرق الذاكرة أيضًا.
لكن التاريخ لا يموت إن وُجد من يُحييه. نحن لا نعيد الحديث عن عربستان لنندب الماضي، بل لنفهم أن ما ضاع بالأمس يمكن أن يُسرق غدًا من جديد إن بقينا غافلين. ألم نرَ السودان تُقسَّم أمام أعيننا؟ إنه يتكرر فعلًا، لكن بأسماء جديدة، وحدود جديدة، وخرائط جديدة.

الإسلام… إذا خالط القلوب لا يُقهَر

رغم القمع والطمس لعقود، لم تستطع كل تلك السياسات أن تطفئ نور الإسلام في قلوب أهل عربستان، ولا أن تُميت عروبتهم. ما زال الأذان يُرفع همسًا، وما زالت العربية تُتداول سرًّا داخل البيوت، كأنها كنز يُتناقل من جيل إلى جيل حتى يأتي فجرٌ يرفع الحصار عن الصوت والحرف.
الوعي لا يُهدى جاهزًا بل يُنتزع انتزاعًا: بسؤال، وبحث، وقراءة، وغيرة على ما تبقّى من كرامتنا. فمن لا يحفظ تاريخه يسقط في الحفرة نفسها، مرة بعد مرة.

………………………………………………………………………………………………….
المصادر:

مقالات Sheikh Khazal rebellion وArab separatism in Khuzestan على ويكيبيديا، ودراسة Qatar Digital Library عن الشيخ خزعل، وكتاب «عربستان في عهد الشيخ خزعل الكعبي 1897–1925م».

طالع أيضا:

خالد سالم يكشف عن ظاهرة تحوّل المصريين إلى ملوك وملكات | فيديو

زر الذهاب إلى الأعلى