“سلسال الدم والإرهاب”: (1) المتهم باستهداف طائرة الرئاسة

الكاتب الصحفى عاطف عبد الغنى

سردية يكتبها: عاطف عبد الغنى

 لا تبدأ الجريمة الإرهابية بضغطة على الزناد، أو طعنة بآلة حادة، بل تبدأ بكلمة مسمومة تُشرعن القتل؛ هذا ما أخبرنا عنه التاريخ.. وهذا ما تؤكده الوقائع الجارية.
 وخلال الـ 48 ساعة الأخيرة  نشرت الصحف، بثت وسائل الإعلام، نقلا عن وزارة الداخلية، اعترافات خطيرة للمتهم الرئيسي في خلية “حسم” الإرهابية، المقبوض عليه (علي محمود عبد الونيس)، والذى كشف فى اعترافاته كيف تم استدراجه عبر “مؤسسة ميدان” (الذراع السياسي لحركة حسم) لغسل دماغه وتجنيده، وصولاً إلى تدريبه في قطاع غزة على صواريخ “سام” المحمولة على الكتف لاستهداف طائرة الرئاسة المصرية، بالطبع وهى على متنها رئيس الدولة.

الصدمة

الصادم في اعترافات المتهم هو الإعلان عن اكتشافه المتأخر بأن الحرب التي خاضها لم تكن “حرب دين” كما صوروها له، بل كانت “حرب سلطة وكرسي” لا تستحق قطرة دم واحدة.
وكشف – أيضا – المتهم فى اعترافاته عن مخطط خبيث لإنشاء مواقع صحفية تظهر بمظهر “المؤيد للدولة”، وذلك  لاستدراج المسؤولين والحصول على معلومات لزعزعة الثقة وتقليب الرأي العام.

رسالة يأس وندم

ومن الاعترافات إلى إظهار الندم، والتبرؤ ممن اتبعهم، بعث المتهم برسالة يأس وقنوط للمشاهدين قال فيها:  “الوقفة قدام ربنا صعبة.. دم أي حد شاركت فيه كبير جداً”.
ومع كل اعترافات لمثل هذا المتهم نطرح سؤالا جوهريا: ما الذي يدفع شاباً متعلما جامعياً لترك مقاعد الدراسة ( المتهم كان يدرس في كلية الزراعة) ليتحول إلى خبير متفجرات يخطط لنسف، أو قتل، أو  تفجير هدف؟.
والإجابة لا تكمن فقط في انخراطه فى الجماعة والحصول على التدريبات العسكرية اللازمة لتنفيذ عملية إرهابية، بل في “التدريبات الفكرية” التي شوهت عقيدته وجعلت من دماء أهله، وناسه من بني وطنه هدفاً مشروعاً تحت مسمى “الجهاد”، وهنا يبرز مجددا السؤال: ما هو المرجعية الفكرية التي تستند إليها هذه العناصر لاستباحة الدماء ومقدرات الوطن؟!.

وتظل الأسئلة حائرة تنتقل من جيل إلى جيل تنتجها مفرخة الجماعات الإرهابية، ومعها تفشل المواجهة الفكرية، بينما تواصل الأجهزة الأمنية ضرباتها الاستباقية لإجهاض مخططات حركة ‘حسم’ الإخوانية، وغيرها من خلايا وحركات وجماعات سلسال الدم والإرهاب.

خبير: مخططات ممنهجة

الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، إبراهيم ربيع، أكد فى تصريحات صجفية أن تحركات هذه الخلايا ليست عشوائية، بل هي تنفيذ لمخططات ممنهجة يديرها التنظيم الدولي لجماعة الإخوان مستغلاً الأزمات الإقليمية.

وأضاف ربيع: “لكي نفهم ‘كيف يفكر هؤلاء، علينا العودة إلى الجذور الفكرية التي نبتت منها هذه التنظيمات، وعلى رأسها كتاب “الفريضة الغائبة” وصاحبه الإرهابى المشهور “محمد عبد السلام فرج”، والكتاب يعد “مانفستو” الدم لكل جماعات العنف المسلح.

محمد عبد السلام فرج مفتى الإرهاب فى الدائرة الحمراء
محمد عبد السلام فرج مفتى الإرهاب فى الدائرة الحمراء

ضلالات فقهية قديمة

ويرى ربيع، أن التنظيمات المتطرفة كالإخوان وذراعها المسلح “حسم”، لا تتحرك من فراغ، بل تعيد تدوير ضلالات فقهية قديمة لتناسب “مخططات تخريبية” حديثة.

ويؤكد ربيع أن استغلال الأزمات الدولية ليس صدفة، بل هو استراتيجية تعتمد على “تغييب الوعي” وتمرير مفاهيم “الفريضة الغائبة” لإحداث ارتباك داخلي.

حين يصبح القتل “جهاداً”

في أواخر السبعينيات، من القرن العشرين (الماضى) خرج محمد عبد السلام فرج بنظرية صادمة تزعم أن “الجهاد” هو الركن السادس الغائب من أركان الإسلام، وأن هذا الجهاد ليس للدفاع عن الأوطان، بل هو “قتال الحكام والمجتمعات” التي لا تطبق رؤيتهم الخاصة للشريعة.

لقد بنى فرج نظريته الواردة فى كتابه على ركيزتين باطلتين هما كالتالى:

الأولى: تكفير المجتمع والحاكم: باعتبارهما يعيشان في “جاهلية” تستوجب القتال.

الثانية: حتمية المواجهة المسلحة: وإلغاء فكرة السلم المجتمعي، معتبراً أن أي تأخير في “الخروج المسلح” هو تفريط في الدين.

الإمام الأكبر ومعركة تفكيك الأوهام

وأمام هذا الانحراف الفكري الذي بدأ يحصد الأرواح، لم يقف الأزهر الشريف مكتوف الأيدي، ومنذ عقود انبرى الراحل الإمام الأكبر، شيخ الجامع الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، بوقاره المعهود وعلمه الغزير، ليضع حداً لهذه الضلالات، وفي فتوى شهيرة، وضع الشيخ جاد الحق “مشرط الجراح” على مواطن الداء في كتاب عبد السلام فرج، مؤكداً أن “الفريضة الغائبة” لم تكن سوى “فهم سقيم” لنصوص القرآن والسنة، واجتزاء مخل لسيرة النبي ﷺ وصحابته.

الإمام الأكبر الراحل الشيخ جاد الحق
الإمام الأكبر الراحل الشيخ جاد الحق

وقال الإمام الأكبر في رده الحاسم على الضلال: “إن الجهاد في الإسلام شرع للدفاع عن العقيدة والوطن، وليس أداة لهدم المجتمعات من الداخل أو تكفير المسلمين بغير حق”.. مضيفا أن “من يرفعون شعار الفريضة الغائبة غابت عنهم أصول الشريعة ومقاصدها العليا”.

تفكيك الأوهام

ومضى الإمام الأكبر يفكك أوهام هذا الكتاب، لتكون كلماته بمثابة حائط صد فكري يكمل دور اليقظة الأمنية في حماية عقول الشباب ومستقبل الوطن.

كما وضع الإمام الأكبر التفنيد الشرعي لواحد من أخطر مفاهيم “فريضة عبد السلام فرج الغائبة”، ألا وهو مفهوم “قتال العدو القريب”، وجعله مقدما على قتال العدو الخارجي، وأولى منه.

.. هذا “التيه” الذي عاشه المتهم، (علي محمود عبد الونيس)، وكثيرون من المغرر بهم من قبله، حذر منه الشيخ جاد الحق، كما حذر من خطورة “تزييف الوعي الديني” واستخدام المصطلحات الشرعية لخدمة أجندات تخريبية

ما وراء الرصاصة

ونختم هذه الحلقة بالقول إن ما كشف عنه بيان وزارة الداخلية فيما يخص خلايا “حسم” في 2025، هو التطبيق العملي لما سطره فرج في كتابه قبل عقود، وأن المواجهة الأمنية التي يقودها حماة الوطن، لابد أن يكملها الأزهر الشريف بمواجهة فكرية تكشف زيف هذه المرجعيات.

في الحلقة القادمة: سنغوص في تفاصيل “تفنيد الشيخ جاد الحق” لآية السيف، والرد على ضلالات هذه الجماعات فى القول بإن القتال هو الأصل في علاقة المسلم بغيره.. انتظرونا.

طالع المزيد:

الداخلية تعلن استشهاد مواطن وإصابة ضابط خلال مواجهة عناصر حسم الإرهابية

 

زر الذهاب إلى الأعلى