القصة الكاملة لتقليد رفع يد الشهود أمام المحاكم ودلالاته التاريخية
كتب: ياسين عبد العزيز
ارتبطت صورة الشاهد في قاعات المحاكم برفع يده مفتوحة قبل الإدلاء بأقواله، حيث يعد هذا التصرف تقليداً قانونياً راسخاً يرمز إلى الالتزام بالصدق التام، وخلو سجل الشخص الماثل أمام القضاء من السوابق الجنائية التي قد تطعن في نزاهته.
تعود الجذور التاريخية لهذا الإجراء إلى عصور قديمة شهدت تطبيق عقوبات بدنية محددة، إذ كان يتم وسم مرتكبي الجرائم بعلامات أو أوشام ثابتة على أكفهم، لتكون دليلاً مرئياً ومستمراً يشير إلى طبيعة الجرم الذي ارتكبه الشخص وسجله العدلي السابق.
استوجبت القواعد القضائية القديمة من أي فرد يتقدم للشهادة أن يرفع يده عالياً أمام منصة القضاء، وذلك بهدف تمكين القاضي من فحص كف الشاهد والتأكد من عدم وجود أي علامات تدين صاحبه، مما يمنح الشهادة المقدمة صبغة الموثوقية والقبول القانوني.
تسبب وجود وشم أو علامة جنائية على يد الشاهد في الماضي في رفض شهادته بشكل فوري، أو التشكيك في مصداقيتها أمام هيئة المحكمة، حيث كان يُنظر إلى صاحب العلامة كشخص غير مؤهل أخلاقياً للمشاركة في إرساء قواعد العدالة أو الفصل في المنازعات.
تحول هذا الإجراء بمرور الزمن من ضرورة فنية لفحص الجسد إلى رمز تقليدي وبروتوكول رسمي، وظل مستقراً داخل الأنظمة القضائية المختلفة كإشارة رمزية تعبر عن التعهد بقول الحقيقة، رغم اندثار ممارسات وسم المجرمين بالعلامات الجسدية في العصر الحديث.
تعتمد المحاكم المعاصرة في الوقت الحالي على السجلات الجنائية الرقمية وقواعد البيانات الرسمية، ومع ذلك استمر تقليد رفع اليد كجزء من مهابة الجلسات القضائية، حيث يمثل هذا الفعل إقراراً علنياً من الشاهد بالخضوع للقانون والالتزام بالأمانة في سرد الوقائع.
تشير الدراسات التاريخية للقانون إلى أن هذه الممارسة تعكس رغبة المجتمعات القديمة في حماية العدالة، وذلك عبر وضع قيود بصرية تمنع أرباب السوابق من التأثير على مجريات الأحكام، وهو ما يفسر استمرار الحركة الجسدية ذاتها حتى يومنا هذا في دول عديدة.
ساهمت السينما والأعمال الدرامية في ترسيخ هذه الصورة لدى الجمهور العام حول العالم، حيث يظهر الشاهد دائماً ماداً يده اليمنى للأعلى كدليل على براءته ونقاء سريرته، وهو ما يعزز القيمة المعنوية لهذا التقليد الجنائي العريق في وجدان المتقاضين والمتابعين.
يؤكد فقهاء القانون أن الغرض الأساسي من استمرار مثل هذه التقاليد هو استحضار هيبة الموقف، ودفع الشاهد إلى استشعار المسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة على كلماته، بغض النظر عن الوسائل التقنية الحديثة التي تكشف التاريخ الإجرامي للأفراد بضغطة زر.





