القس بولا فؤاد رياض يكتب: لماذا رفض اليهود السيد المسيح؟

«إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ»

بيان
يحتفل المسيحيون في هذه الأيام بأسبوع الآلام، وهو من أقدس أيام السنة، حيث نعيش مع السيد المسيح أحداث هذا الأسبوع يومًا بيوم، بدءًا من سبت لعازر حتى فجر أحد القيامة. ففي سبت لعازر نسمع صوته فنقوم معه من قبورنا، وفي أحد الشعانين ندخل معه ليصير هو الملك على قلوبنا وحياتنا.

وفي أيام الأسبوع نتتلمذ على يديه: فنكشف أمامه قلوبنا، ونحيا بالوصية، ونقدم له محبتنا، ونقبل عمله الخلاصي فينا، حتى نصل إلى القيامة معه حياة جديدة.
وفي أحد الشعانين نرى مشهدًا مهيبًا: دخول السيد المسيح إلى أورشليم وسط استقبال شعبي عظيم، حيث خرجت الجموع تستقبله بأغصان الزيتون وسعف النخيل، وفرشوا ثيابهم أمامه، وهتفوا قائلين: «أوصنا»، أي «خلّصنا».

لقد استقبلوه كملك منتصر، لكن هذا الاستقبال كان يحمل في داخله فهمًا ناقصًا لشخصه ورسالته.
فاليهود كانوا ينتظرون مسيّا سياسيًا، ملكًا أرضيًا من نسل داود، يقودهم لتحريرهم من الاحتلال الروماني ويؤسس مملكة أرضية قوية.

لذلك فرحوا به في البداية، لأنهم ظنوا أنه سيحقق هذه الآمال. لكن سرعان ما خاب رجاؤهم عندما أعلن أن «مملكتي ليست من هذا العالم»، وأن ملكوته روحي، وأن خلاصه هو من الخطية لا من الاستعمار.

ورغم أن النبوات في العهد القديم، خاصة في سفر إشعياء، أعلنت عن مجيئه وآلامه وفدائه، إلا أنهم لم يفهموا، فانطبق عليهم قول الرب: «شَعْبِي لاَ يَفْهَمُ».
لقد دخل السيد المسيح أورشليم كملك، لكنه دخل وديعًا متواضعًا، راكبًا على جحش ابن أتان، معلنًا أنه ملك السلام، لا ملك الحروب. وكانت أغصان الزيتون رمزًا للسلام، وسعف النخيل علامة النصرة، والهتاف «أوصنا في الأعالي» إعلانًا للخلاص.

وكل هذا كان إعلانًا نبويًا حقيقيًا، لكن القلوب لم تدرك عمقه.
أما رؤساء الكهنة والفريسيون، فقد رفضوه أيضًا، ليس فقط بسبب اختلاف توقعاتهم، بل لأنهم خافوا على مناصبهم وسلطانهم. لذلك طلبوا منه أن يُسكت الجموع، لكنه أجابهم: «إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ».

ومع مرور الأيام، تحولت نفس الجموع التي هتفت «أوصنا» إلى جموع تصرخ «اصلبه»، لأن المسيح لم يحقق رغباتهم الأرضية، بل دعاهم إلى التوبة والتغيير الداخلي. وهكذا كان الرفض نتيجة عدم فهم، وتمسك بفكر أرضي، ورفض لطريق الصليب.

كما أن دعوته كانت شاملة لكل البشر، لا لليهود فقط، إذ أعلن ملكوت الله الذي يتجاوز الحدود القومية ليشمل الأمم، وهذا أيضًا كان صادمًا للفكر اليهودي الذي حصر الخلاص في شعب بعينه.

وقد بكى السيد المسيح على أورشليم قائلًا: «يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ… كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ… وَلَمْ تُرِيدُوا»، وتنبأ بخرابها: «هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا»، وقد تم ذلك فعلًا سنة 70 ميلادية.

إن رفض السيد المسيح لم يكن لأن النبوات لم تكن واضحة، بل لأن القلوب لم تكن مستعدة لقبول ملك روحي، ولأنهم أرادوا مسيحًا على صورتهم، لا كما أعلنه الله.

وهنا يأتي الدرس لنا: قد نكون مثل تلك الجموع، نهتف للمسيح ما دام يحقق رغباتنا، لكننا نتراجع إن دعانا إلى طريق الصليب. لذلك يجب أن يكون إيماننا ثابتًا، لا يتغير بتغير الظروف.

إن المسيح لا يبحث عن موكب ولا عن هتاف، بل عن قلب صادق. وقد تكون صرخة الحجارة أصدق من قلوب كثيرة، لأن الأطفال هتفوا ببساطة وصدق، أما الآخرون فهتفوا بلا فهم.

فلنطلب أن نكون من أصحاب القلوب البسيطة النقية، التي تقبل المسيح ملكًا حقيقيًا، لا على مستوى الكلام، بل في عمق الحياة.

لنطلب أورشليم السمائية، لا مجدًا أرضيًا زائلًا، ولنسجد له بقلوب ثابتة قائلين: «مبارك الآتي باسم الرب».

……………………………………………………………………………………..

كاتب المقال: كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى