“داخل مطبخ واشنطن”.. الرواشدة يفكك شيفرة الصراع الأمريكي الإيراني
.. من انقلاب مصدق إلى حسابات الحرب الراهنة
كتب: على طه
في إطار نقاش معمق طرحته حلقة “بودكاست الشرق”، قدّم المحلل السياسى عماد الرواشدة، مراسل التلفزيون العربي في واشنطن، قراءة تاريخية وسياسية معمقة لمسار العلاقات الأمريكية الإيرانية.
واعتبر الدراوشة أن فهم جذور الصراع الحالي لا يمكن فصله عن تراكمات تاريخية تعود إلى منتصف القرن العشرين، وفق ما ورد في الحلقة.
البداية تعود إلى عام 1953
وأوضح الرواشدة أن البداية المفصلية تعود إلى عام 1953، حين تم الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عبر عملية مشتركة بين الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، وهو الحدث الذي شكّل، بحسب تعبيره، “غصة تاريخية” لا تزال حاضرة في الوعي الإيراني حتى اليوم.
وأشار إلى أن هذا الانقلاب ارتبط بمخاوف غربية من النزعات القومية واحتمالات تمدد النفوذ السوفيتي في منطقة ذات أهمية استراتيجية، خاصة مع وجود مصالح نفطية كبرى.
الاحتقان داخل المجتمع الإيراني
وأضاف، خلال حديثه في “بودكاست الشرق”، أن الولايات المتحدة دعمت لاحقًا نظام الشاه أمنيًا وعسكريًا، بما في ذلك جهاز “السافاك”، وهو ما عزز حالة الاحتقان داخل المجتمع الإيراني، ومهّد لاندلاع الثورة الإسلامية في أواخر السبعينيات.
ورغم ذلك، لفت إلى أن التقديرات الأمريكية في تلك الفترة لم تعتبر النظام الجديد تهديدًا مباشرًا، بل رأت إمكانية التفاهم معه.
مرحلة العداء الرسمي بين البلدين و“محور الشر”
وبيّن الرواشدة أن نقطة التحول الحاسمة جاءت مع أزمة الرهائن عام 1979، والتي اندلعت بعد استقبال الولايات المتحدة للشاه المخلوع، وهو ما أعاد إلى الأذهان لدى الإيرانيين سيناريو الانقلاب على مصدق، ودفع إلى اقتحام السفارة الأمريكية، لتبدأ مرحلة العداء الرسمي بين البلدين، بحسب ما أشار إليه في الحلقة.
وفي سياق متصل، استعرض الدراوشة محطات التوتر في الثمانينيات، مثل تفجير مقر قوات المارينز في بيروت عام 1983، وإسقاط الطائرة الإيرانية المدنية عام 1988، مؤكدًا أن هذه الأحداث عمّقت فجوة الثقة وراكمت “دمًا سياسيًا” بين الطرفين.
كما أشار إلى مفارقة لافتة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث تعاونت إيران مع الولايات المتحدة في إسقاط نظام طالبان، وقدّمت معلومات استخباراتية مهمة، إلا أن هذا التعاون لم يمنع إدارة جورج بوش من إدراج إيران ضمن “محور الشر” عام 2002، وهو ما وصفه الدراوشة بأنه “صدمة استراتيجية” للإيرانيين، أدت إلى تغيير سلوكهم الإقليمي.
طهران تسعى إلى منع تطويقها أو استهدافها
وفي تحليله، أكد الرواشدة – وفق ما جاء في “بودكاست الشرق” – أن إدراج إيران ضمن “محور الشر” لم يكن فقط نتيجة اعتبارات أمريكية داخلية، بل تأثر أيضًا برؤى المحافظين الجدد والتوجهات الإسرائيلية، خاصة مع صعود أفكار تدعو لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر الضغوط والعقوبات وحتى التدخل العسكري.
وأكد الدراوشة على أن السلوك الإيراني، في كثير من الأحيان، يمكن فهمه من منظور “عقلاني دفاعي”، حيث سعت طهران إلى منع تطويقها أو استهدافها، سواء عبر التمدد الإقليمي أو إغراق الولايات المتحدة في أزمات مثل العراق، لتقليل احتمالات نقل المواجهة إلى الداخل الإيراني.
اللوبيات: بين التأثير المشروع والاختراق السياسي
ويسلط الرواشدة الضوء على دور اللوبيات، وحدود تأثيرها، وصولًا إلى تفسير قرارات الحرب تجاه إيران في عهد دونالد ترامب، وما إذا كانت تعكس مصالح أمريكية أم إسرائيلية، موضحا الفرق بين نوعين من الضغط “اللوبيينغ” في الولايات المتحدة:
الأول تقليدي تمارسه دول لحماية مصالحها، كإقناع الإدارة الأمريكية بصفقات سلاح أو دعم سياسي، وهو أمر مشروع ضمن قواعد العمل السياسي.
أما الثاني، وهو الأخطر، فيتجاوز التأثير على صانع القرار ليصل إلى التأثير المباشر في الرأي العام والناخب الأمريكي، عبر ضخ الأموال في الحملات الانتخابية.
ويؤكد أن هذا النوع من التأثير “لا تمارسه الدول العربية”، بينما يظهر – بحسب وصفه – بوضوح في الحالة الإسرائيلية، حيث يتم ضخ الأموال داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، عبر كيانات منظمة، مثل التحالفات المؤيدة لإسرائيل داخل كل حزب.
من “الحياد” إلى الالتزام: كيف تغيّر موقف ترامب؟
ويكشف الرواشدة أن دونالد ترامب بدأ حملته الانتخابية عام 2015 بخطاب “محايد” نسبيًا تجاه القضية الفلسطينية، مستخدمًا تعبير “سأكون عادلًا”، وهو ما اعتُبر خروجًا عن الخطاب السائد في السياسة الأمريكية.
لكن هذا الموقف تغيّر لاحقًا بشكل جذري، بعد إدراكه حاجته إلى تمويل ضخم لحملته الانتخابية، قُدّر بما لا يقل عن 100 مليون دولار. وهنا برز دور عائلة أدلسون، التي دعمت حملته مقابل تبني سياسات محددة، كان أبرزها، نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
ويخلص الرواشدة إلى أن هذه التحولات تعكس “المعادلة الحاكمة” في السياسة الأمريكية وهى : “المثاليات قبل الانتخابات، والواقعية المرتبطة بالتمويل بعدها”.
الإعلام الأمريكي وصناعة “الإجماع”
ينتقل التحليل إلى دور الإعلام، حيث يرى الدراوشة أن الميديا الأمريكية – خصوصًا التيار السائد – منحازة لإسرائيل، مستشهدًا بأفكار نعوم تشومسكي في كتابه “صناعة الإجماع”، الذي يؤكد أن الإعلام يعمل ضمن إطار يخدم توجهات السياسة الخارجية.
كما يشير إلى وجود منظمات رقابية (Watchdog) تتابع التغطيات الإعلامية، وتتدخل فورًا إذا رأت محتوى “معاديًا لإسرائيل”، عبر حملات ضغط واتهامات بـ”معاداة السامية”، ما يجعل التمييز بين نقد إسرائيل ومعاداة اليهود أمرًا شديد الحساسية في الخطاب الأمريكي.
من الاتفاق النووي إلى سياسة “الضغط الأقصى”
في المقارنة بين الإدارات الأمريكية، يوضح الدراوشة أن باراك أوباما انتهج سياسة متعددة الأطراف في الاتفاق النووي مع إيران، بينما جاء دونالد ترامب بنهج مغاير قائم على الانسحاب من الاتفاق، واغتيال قاسم سليماني
، والتصعيد العسكري المباشر.
لكن المفارقة، بحسب التحليل، أن ترامب – رغم معارضته للمؤسسة التقليدية – انتهى إلى تبني سياسات أكثر تشددًا من تلك التي تدعو إليها هذه المؤسسة.
حرب الـ12 يومًا: مناورة أم بداية تصعيد؟
يصف الرواشدة المواجهة العسكرية المحدودة مع إيران (2025) بأنها “عملية محسوبة”، نجح خلالها ترامب في تحقيق مكسب سياسي داخلي، عبر تنفيذ ضربة عسكرية، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، وقد عزز ذلك من صورته داخل قاعدته الانتخابية، التي رأت فيه رئيسًا قادرًا على “الدخول والخروج من الحروب بسرعة”.
لكن هذا النجاح لم يدم طويلًا، إذ عاد التصعيد لاحقًا في ظل مبررات متغيرة، تراوحت بين البرنامج النووي الإيراني
، والاحتجاجات الداخلية في إيران، ودور طهران الإقليمي وهو ما وصفه الدراوشة بأنه خطاب متناقض وفوضوي.
هل هي حرب أمريكية أم إسرائيلية؟
أحد أبرز محاور الحديث كان توصيف الحرب، حيث نقل الدراوشة آراء داخل الكونغرس – مثل تصريحات كريس ميرفي – التي اعتبرت أن ما يحدث هو “حرب إسرائيلية” لا تخدم المصالح الأمريكية، ويستند هذا الرأي إلى عدة معطيات أهمها تقارير الاستخبارات الأمريكية لم تؤكد إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، وتقديرات رسمية أكدت أن تغيير النظام الإيراني غير مرجح، وتحذيرات من تداعيات اقتصادية خطيرة
ورغم ذلك، استمرت الحرب، ما يعزز – وفق التحليل – فرضية تأثير الضغط الإسرائيلي في القرار الأمريكي.
الكلفة الاقتصادية: الحرب تصل إلى جيب المواطن
يشير الرواشدة إلى أن التأثير الأخطر للحرب يظهر اقتصاديًا، حيث ارتفعت أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 25%، وتضاعفت الأسعار في بعض الولايات مثل كاليفورنيا، وارتفعت تكاليف الزراعة بسبب زيادة أسعار الأسمدة.
ويؤكد أن الناخب الأمريكي “يصوّت عند محطة الوقود”، ما يجعل أي تأثير اقتصادي مباشر عاملًا حاسمًا في الانتخابات.
انتخابات على المحك
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يرى الرواشدة أن استمرار الحرب يمثل مخاطرة كبيرة لـ دونالد ترامب والحزب الجمهوري، خاصة في ظل تراجع التأييد الشعبي للحرب (نحو 60% ضدها)، وتضرر القاعدة الانتخابية الزراعية
تصاعد المخاوف داخل التيار المحافظ، مضيفا: “بل إن شخصيات بارزة داخل التيار المؤيد لترامب حذرت من أن خسارة الانتخابات قد تعني “نهاية المشروع المحافظ” في الولايات المتحدة”.
هل تقود الحسابات الأمريكية إلى مستنقع إيراني جديد؟





