د. ناجح إبراهيم يكتب: المسيح.. مهاجرا إلى مصر
■ من أهم الأنبياء الذين هاجروا إلى مصر إبراهيم أبو الأنبياء، ولم يتم تأريخ كامل لهجرته، ومنها إهداء فرعون مصر السيدة هاجر إلى سيدنا إبراهيم والذي تزوج منها وأنجب إسماعيل وهما أصل العرب والمسلمين، وهاجر فخر لمصر عامة والصعيد خاصة، فهي من بلدة ملوى المجاورة لبلدتي ديروط.
■ ويعد السيد المسيح أحد أولي العزم من الرسل من أحفاد إبراهيم من سلالة إسحق ويعقوب وموسى وهارون عليهم السلام، وإذا كان موسى الرضيع ألقي في نهر النيل الذي صار له مهداً، فقد هاجر المسيح من فلسطين وحتى القوصية في أقاصي الصعيد وهو طفل.
■ المسيح أصغر نبي كتب عليه الهجرة، فكل الأنبياء هاجروا وهم كبار، أما المسيح فهاجر طفلاً لا يجاوز العامين تقريباً.
■ ويعد المسيح أعظم لاجئ إلى مصر بعد أن لجأ إليها يوسف كرهاً ولجأت إليها أسرته بعد ذلك طوعاً، وإذا كان لجوء آل يعقوب إلى مصر فتحاً ونصراً لهم وخيراً وسعة وبركة على مصر، فإن لجوء السيد المسيح وأمه على مصر كان سبباً في بركة مصر وتنزل الخيرات على أهلها.
■ الهجرة قدر على الأنبياء، كما هي قدر على كثير من مخلوقات الله في كونه، وكأن هجرتهم جزء من حياتهم ورسالتهم، فقد هاجر إبراهيم ويوسف ويعقوب والأسباط كما هاجر موسى والمسيح ومحمد.
■ فكما كانت هجرة موسى ومحمد تكليفاً ربانياً واختياراً إلهياً، كانت هجرة المسيح تكليفاً ربانياً بعد أن عزم هيرودس على قتل النبي المنتظر -وهو رضيع- بعد أن ظهرت المعجزات على يديه.
■ خاف الملك على عرشه من وليد صغير سينشر التوحيد وينصر الفقراء والضعفاء ويحق الحق ويبطل الباطل، فانقض جنوده على الرضع في بيت لحم يذبحونهم بغير شفقة، ولا تفكر، فالله لن يدع نبيه ليذبح هكذا، فحول منازلها لساحات للبكاء والعويل، وبينما كان يفعل ذلك كان ركب المسيح المبارك قد جاوز فلسطين كلها.
■ كان يمكن للعائلة المقدسة أن تنجو من هيرودس بالذهاب إلى الشام أو العراق أو تبوك أو غيرها لتكون فيها آمنة، ولكن الله اختار لها مصر كما اختار لنبيه محمد المدينة، رغم أن هدف الهجرتين مختلف تماماً، فالمسيح جاء ليبارك أهل مصر، ومحمد جاء إلى المدينة ليقيم دولة على نهج الحق والصدق.
■ اختار الله مصر للمسيح وأسرته، لأن فيهم من الرقة والعطف والرحمة والتحضر الكثير.
■ واختار المدينة لنبيه محمد، لأن فيها من الرفق والنصرة والتحضر الإنساني ما لا يوجد في بلاد أخرى مثل هوازن، وغطفان، وثقيف المشهورين بالجفوة والغلظة مع القوة.
■ لم يكن هدف العائلة المقدسة حينما قدمت إلى مصر الأمان أو الهروب من هيرودس فحسب وإلا لمكث المسيح في بلدة صغيرة في مصر ولم يخرج منها، ولكنه ساح في مصر كلها وسار قرابة ألفي كيلومتر ولم يستقر كثيراً في بلدة بعينها رغم الترحاب الكبير الذي قوبل به.
■ الحمار الذي صاحبهم شرفه الله فذكر في كل الروايات، كما شرف الله كلب أهل الكهف في القرآن، فصحبة الصالحين شرف.
■ جاء المسيح ليبارك مصر وأهلها كما بارك محمد المدينة وأهلها وكأن كلاً منهما يكاد ينطق بالقاعدة الجليلة «أهل الرقة والتواضع والقلوب الرحيمة هم أولى الناس برسالات السماء».
■ لك أن تتأمل رحلة المسيح التي استغرقت تقريباً ثلاث سنوات، لم يذكر أن بيتاً من البيوت أغلق دونه أو قصر في حقه، أمة تعشق الأنبياء وحوارييهم، وهي التي فتحت ذراعيها لآل النبي الذين اختاروا مصر دون سواها، سلام على الأنبياء والصالحين، والحمد لله رب العالمين.





