د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: أدوات بناء الوعى الغائبة

بيان

أصبح من اللافت أن كثيرًا من المقالات السياسية المتداولة اليوم لم تعد تُقدّم تحليلًا حقيقيًا بقدر ما تعيد إنتاج خطاب تعبوي مكرر، يفتقر إلى العمق والرؤية.

نفس الشعارات تُعاد، ونفس الزوايا تُستهلك، دون محاولة جادة لتقديم فهم أعمق أو إضافة جديدة تستحق التوقف عندها.
بدلًا من تفسير سلوك الدول في ضوء مصالحها وتعقيدات بيئاتها الاستراتيجية، يجري اختزال المشهد في ثنائيات سطحية من قبيل “صح أو خطأ” و“معنا أو ضدنا”.

هذا التبسيط المخل لا يساعد على الفهم، بل يُغلق باب التفكير، ويُضعف قدرة القارئ على التحليل والنقد، ويجعله أسيرًا لأحكام جاهزة لا تعكس حقيقة الواقع.
المشكلة الأكبر أن هذا النمط من الكتابة لا يُسهم في بناء وعي حقيقي، ولا يدفع نحو التقدم، بل يُعيد إنتاج نفس الدائرة المغلقة من الأفكار.

نقرأ كثيرًا، لكننا لا نتعلم بما يكفي، وننخرط في نقاشات حادة، لكنها تفتقر إلى الأساس المعرفي الذي يجعلها مفيدة أو مُثمرة.
السياسة، في جوهرها، ليست ساحة للشعارات ولا مجالًا للانحياز الأعمى، بل هي عملية معقدة لفهم المصالح، وتقدير موازين القوة، وربط الأحداث بسياقاتها الاقتصادية والتاريخية والأمنية.

ومن دون هذا الفهم، تتحول الكتابة السياسية إلى مجرد صدى للضجيج، لا أداة لتفسيره.
ما نحتاجه اليوم هو كتابة تحترم عقل القارئ، لا تستسهل مخاطبة عاطفته فقط؛ كتابة تطرح الأسئلة قبل أن تُسارع إلى تقديم إجابات جاهزة، وتُضيء مناطق التعقيد بدل الهروب منها، وتُشجّع على التفكير بدل الاكتفاء بالتلقّي.

عندها فقط يمكن أن تتحول المقالات السياسية من عبءٍ على الوعي إلى أداةٍ لبنائه، ومن تكرارٍ مملّ إلى معرفةٍ حيّة تُضيف وتُغيّر.
فالكتابة التي تُربّي عقلًا ناقدًا، أَولى بكثير من تلك التي تُكرّس الانحياز، والتحليل الذي يكشف تعدّد الزوايا أصدق من خطابٍ يُصادرها.

وحين يستعيد المقال السياسي وظيفته الأصلية – بوصفه مساحة للفهم لا منصةً للتوجيه – يصبح قادرًا على الإسهام في وعيٍ أعمق، ونقاشٍ أنضج، ورؤيةٍ أكثر اتزانًا للواقع.
أما الاستمرار في استهلاك نفس الخطاب السطحي، فلن يُنتج إلا مزيدًا من الالتباس، ومزيدًا من الدوران في نفس الدائرة؛ حيث نعتقد أننا نفهم، بينما نحن في الحقيقة نُعيد ترديد ما يُقال لنا، دون تمحيص أو مراجعة، فنفقد القدرة على التمييز بين التحليل والدعاية، وبين الفهم الحقيقي والانحياز الموروث.
ومع الوقت، يتحول هذا النمط إلى وعيٍ زائف، يكتفي باليقين السهل ويرفض الأسئلة الصعبة، ويُفضّل الراحة الفكرية على مشقة البحث والتفكير.

وهنا لا تكون المشكلة في قلة المعلومات، بل في طريقة تلقيها، وفي غياب المنهج الذي يُمكّننا من تفكيكها وفهم سياقاتها.
لذلك، فإن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بكثرة القراءة وحدها، بل بنوعية ما نقرأ، وبالقدرة على مساءلته، ومقارنته، وإعادة النظر فيه.

فالعقل الذي لا يُدرَّب على النقد، سيظل قابلًا لإعادة التشكيل بنفس الأدوات، مهما تغيّرت العناوين وتبدّلت الشعارات.
ومن هنا، تصبح المسؤولية مشتركة بين الكاتب والقارئ؛ الكاتب الذي ينبغي أن يتحرر من إغراء الخطاب السهل، ويجتهد في تقديم تحليل يُضيف ولا يُكرر، والقارئ الذي لا يكتفي بالتلقي، بل يُمارس حقه في السؤال والتفكيك والمراجعة.

فبغير هذا التفاعل الواعي، تظل الساحة مفتوحة لخطابٍ يستهلك العقول بدل أن يبنيها.
إن الوعي لا يُصنع بالشعارات، ولا يتكوّن من تكرار المواقف، بل يتشكل عبر تراكم الفهم، واحتكاك الأفكار، والقدرة على رؤية ما وراء الظاهر.

وعندما نُعيد الاعتبار لهذا المعنى، يمكن أن تتحول القراءة من عادة يومية إلى ممارسة واعية، تُسهم في بناء عقلٍ قادر على الفهم، لا مجرد ترديد ما يُملى عليه، بل إنتاج رؤية مستقلة تُحسن تفسير الواقع.

اقرأ أيضا:

د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: السيد عمرو موسى وتصريحاته عن إيران

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى