قصة تحرير سيناء.. الملحمة الكاملة (2 من 3): “معركة الميكرومتر” وكواليس حرب العقول في طابا
كيف استدعت مصر التاريخ من أرشيفات إسطنبول ولندن لاسترداد طابا؟
كتب: على طه
في الخامس والعشرين من أبريل 1982، رُفع العلم المصري على أرض سيناء بالكامل، لكن غصةً بقيت في الحلق؛ كيلومتر مربع واحد كان لا يزال تحت وطأة الاحتلال فى مثلث الأرض المصرية الذى يحمل اسم: “طابا”.
وظن الجانب الإسرائيلى أن المماطلة وتغيير معالم الحدود سيمكّنه من “قضم” هذه البقعة الاستراتيجية، لكنه لم يدرك أنه بصدد مواجهة، إرادة مصرية صلبة فى استرداد كل شبر من أرض مصر.
وأن مصر أعدت “كتيبة من العقول” النابهة التي لا تعرف التفريط في ذرة رمل، والتى سوف تكمل المعركة الحربية، بمعركة من نوع مختلف، قوامها الكلمة والوثيقة، والخريطة، والحقوق التاريخية.
وخاضت مصر معركة “تكسير عظام” قانونية استمرت 7 سنوات (من 1982 وحتى 1989). حاول الطرف الآخر عرض “حلول وسط” أو “تأجير” المنطقة، لكن الرد المصري كان ثابتاً ومزلزلاً: “الأرض لا تُجزأ، والسيادة لا تُباع”.
التزييف الجغرافي.. خدعة العلامة 91
بدأت معركة استرداد “طابا” حين حاول المحتل العبث بـ “العلامات الحدودية” التاريخية لمصر، وتحديداً العلامة رقم 91، محاولاً إزاحتها لضم طابا وفندقها الشهير إلى حدوده.
كان الرهان على “ضياع الوثائق” وتقادم الزمن، لكن مصر ردت بتشكيل “اللجنة القومية للدفاع عن طابا”، التي ضمت نخبة من كبار القانونيين، والجغرافيين، والعسكريين، ورجال المخابرات.
وتشير التفاصيل إلى أنه خلال أعمال ترسيم الحدود بين مصر والكيان الإسرائيلي، كان الفريق العسكري المصري يتحرك ميدانيًا لمراجعة العلامات الحدودية، مستخدمًا أحيانًا طائرات هليكوبتر إسرائيلية أو مركبات ميدانية.
وعقب الوصول والانتهاء من تحديد “العلامة 90″، طلب الفريق التوجه إلى “العلامة 91″، إلا أن الجانب الإسرائيلي أبلغهم بصعوبة هبوط الطائرة فوق الجبل، كما رفض توفير مركبة نصف جنزير بحجة حلول المساء ووجود تعليمات بعدم التحرك. ورغم ذلك، أصر الفريق المصري على استكمال المعاينة.

وبحسب ما ورد في كتاب “سيناء أرض المقدس والمحرم”، كان الفريق المصري يتكون عددًا من القيادات، من بينهم اللواء محسن حمدي واللواء عبدالفتاح محسن مدير إدارة المساحة العسكرية، إلى جانب مصور وجنديين من قوات الصاعقة.
وقد صعدوا سيرًا على الأقدام إلى الموقع، ليكتشفوا غياب العلامة 91، حيث لم يجدوا سوى قاعدتها الحجرية دون العمود الحديدي، بينما أشار الجانب الإسرائيلي إلى أن موقع العلامة يقع داخل الوادي.
وخلال المعاينة، قدم الوفد الإسرائيلي صورة قديمة ادّعى أنها تعود لعام 1900 لشخص يُدعى شالوم، مستندًا إليها كدليل على معالم الموقع، مثل شجر الدوم وبئر المياه وعمود التلغراف، رغم التشكيك في مصداقيتها.
وأثناء تفقد المنطقة، عثر الفريق على مجرى سيول وعر، فنزل إليه جنديا الصاعقة، وبعد نحو 20 دقيقة عادا حاملين العمود الحديدي الخاص بالعلامة 91، والذي كان بطول يقارب مترين ووزن يتراوح بين 60 و70 كجم، ومدون عليه الرقم بوضوح. وتم توثيق ذلك بالصور، ليُستخدم لاحقًا كدليل في إجراءات التحكيم.
وتكشف الروايات المتداولة أن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أرئيل شارون أصدر توجيهات بتغيير موقع العلامة 91، بما يعرقل استكمال الانسحاب وفق خط الحدود المنصوص عليه في معاهدة السلام، وهو ما رفضه الجانب المصري بشكل قاطع، خاصة مع اقتراب موعد 25 أبريل 1982، الذي كان يمثل تاريخًا منتظرًا لاستعادة كامل سيناء.
وفي ظل تصاعد الخلاف، تدخلت الولايات المتحدة كوسيط، وتم التوصل إلى صيغة عُرفت لاحقًا بـ”ورقة 25″، تقضي بوقوف القوات الإسرائيلية عند الخط الذي تحدده مصر، وإحالة النزاع إلى التحكيم الدولي استنادًا إلى معاهدة السلام. وقد وافق الطرفان على هذا الحل، وتم الانسحاب في الموعد المحدد، فيما أحيلت “طابا” إلى التحكيم الدولى.
حرب الوثائق.. البحث عن الحقيقة في أرشيفات العالم
لم تكن المعركة في ساحة القتال هذه المرة، بل كانت في أروقة “المحكمة الدولية”، وتحركت العقول المصرية في سباق مع الزمن بين لندن، والقاهرة، وإسطنبول لجمع الأدلة التى تمثلت فى التالى:
-
الخرائط التاريخية: تم استدعاء خرائط من عام 1906 (اتفاقية الحدود الشرقية).

-
شهادات التاريخ: تم العثور على “صور قديمة” يظهر فيها جنود مصريون بجوار شجرة “المنجروف” الشهيرة في طابا، مما أثبت السيادة المصرية بالدليل القاطع الذي لا يقبل التأويل.
المفاوض المصري.. صبر جميل وصلابة حاسمة
وفي 29 سبتمبر 1988، أصدرت هيئة التحكيم الدولية حكمها التاريخي بمصرية طابا، وفي 19 مارس 1989، تحقق الحسم النهائي للنزاع، حيث رُفع العلم المصري على طابا، في إعلان رسمي لعودة السيادة المصرية الكاملة على الأرض، بعد معركة دبلوماسية وقانونية استندت إلى الأدلة والوثائق التاريخية.
الدرس المستفاد في 2026
إن معركة طابا تدرس لنا اليوم في “بايان” درساً في “الوعي”؛ فالحقوق لا تضيع طالما وراءها عقلٌ يوثق، وقانونٌ يحمي، وإرادةٌ لا تنكسر. إنها معركة “الميكرومتر” التي أثبتت أن مصر تستخدم “العلم” بنفس كفاءة استخدامها لـ “السلاح”.





