سلطة ترامب في استخدام القوة العسكرية دون موافقة تشريعية تثير جدلا واسعا

كتب: ياسين عبد العزيز

أثارت سلطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في استخدام القوة العسكرية دون موافقة تشريعية جدلا واسعا في الأوساط السياسية، خاصة مع شن الرئيس دونالد ترامب حربا ضد إيران خلال عام 2025، ليعود التساؤل حول حدود صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى الواجهة من جديد، وذلك بعد تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق دون الحصول على تفويض رسمي واضح من الكونجرس.

إدارة ترامب تعلن انتهاء حرب إيران لتجنب مهلة موافقة الكونجرس

توقفت الولايات المتحدة عن إعلان الحرب رسميا منذ عام 1941 عقب الهجوم على بيرل هاربر، ورغم كثرة الصراعات التي انخرطت بها واشنطن إلا أنها اعتمدت على صيغ مرونة بديلة، واستندت الإدارات المتعاقبة إلى تفسيرات موسعة لصلاحيات الرئيس التنفيذية، متجاهلة في كثير من الأحيان ضرورة العودة للهيئة التشريعية قبل اتخاذ قرارات الهجوم والتدخل العسكري المباشر.

بدأت ملامح هذا النهج في الحرب الفلبينية عام 1899 حين سيطرت واشنطن على الجزر بموجب معاهدة باريس، ولم يطلب الرئيس ويليام ماكينلي إعلان حرب رسميا بل اعتبر التصديق على المعاهدة بمثابة ضوء أخضر للعمليات، وأسفرت تلك الحرب الدامية عن مقتل قرابة 200 ألف مدني فلبيني و20 ألف مقاتل، بالإضافة إلى سقوط نحو 4 آلاف جندي أمريكي.

أرسل الرئيس هاري ترومان في عام 1950 قوات أمريكية إلى كوريا الجنوبية دون الرجوع للكونجرس مبررا الخطوة بأنها عملية شرطة، وحصل هذا التدخل على غطاء دولي تحت مظلة الأمم المتحدة رغم الاعتراضات الداخلية الواسعة، وتسببت الحرب في مقتل 5 ملايين شخص على الأقل أغلبهم من المدنيين، بينما فقدت القوات الأمريكية نحو 37 ألف جندي.

حصل الرئيس ليندون جونسون على تفويض عبر قرار خليج تونكين عام 1964 لخوض حرب فيتنام، ومع استمرار النزاع ألغى الكونجرس هذا القرار في عهد ريتشارد نيكسون الذي واصل العمليات دون غطاء قانوني، ومات في تلك الحرب نحو 58 ألف جندي أمريكي، مما فتح الباب أمام نقاشات حادة حول تجاوز السلطة التنفيذية للقانون وتجاهل قرارات المشرعين.

شن نيكسون هجمات جوية مكثفة على كمبوديا بين عامي 1969 و1973 دون علم الكونجرس لاستهداف إمدادات فيتنام الشمالية، وألقت واشنطن نحو 540 ألف طن من القنابل مما أدى لمقتل ما يتراوح بين 150 ألفا و500 ألف مدني، ودفع هذا التجاوز المشرعين لتمرير قانون سلطات الحرب عام 1973 في محاولة نادرة لتقييد صلاحيات الرئيس العسكرية.

أمر الرئيس رونالد ريجان بغزو جرينادا في عام 1983 مبررا ذلك بحماية المواطنين الأمريكيين واستعادة النظام العام، ونفذت العملية دون موافقة تشريعية لكن سرعة انتهائها خلال 8 أيام قلصت من حدة الانتقادات القانونية الموجهة للإدارة، وسجلت التقارير مقتل 24 مدنيا و19 جندي أمريكيا في تلك العملية التي اعتبرها البعض استعراضا للقوة العسكرية.

اتخذ جورج بوش الأب قرارا بغزو بنما في عام 1989 للإطاحة بالرئيس مانويل نورييجا وتأمين قناة بنما الاستراتيجية، واستند بوش إلى مبررات تقليدية تتعلق بحماية الديمقراطية دون المحاولة للحصول على موافقة مسبقة من الكونجرس، وأسفرت العملية عن مقتل ألف مدني و23 جنديا أمريكيا، وحظيت بدعم شعبي رغم التساؤلات القانونية حول شرعية التدخل.

قاد بيل كلينتون حملة قصف جوي ضمن حلف الناتو ضد يوغوسلافيا عام 1999 لوقف التطهير العرقي في كوسوفو، وفشلت محاولات مجلس النواب للمصادقة على الضربات مما جعل العملية تتم دون تفويض صريح، وأدت الحملة العسكرية لمقتل أكثر من ألف مقاتل يوغوسلافي ونحو 500 مدني، بينما رفض القضاء الأمريكي التدخل في قانونية الحرب باعتبارها قضية سياسية.

شارك باراك أوباما في ضربات عسكرية ضد نظام معمر القذافي في ليبيا عام 2011 مستندا لقرار مجلس الأمن الدولي، ولم يسع أوباما للحصول على تفويض من المشرعين الأمريكيين مدعيا أن العملية محدودة النطاق ولا تستدعي تفعيل قانون سلطات الحرب، وهو ما أثار حفيظة أعضاء الكونجرس الذين اعتبروا الخطوة تجاوزا للدستور وتهميشا للدور الرقابي التشريعي.

نفذت الولايات المتحدة منذ عام 2023 ضربات عسكرية في اليمن دون تفويض تشريعي ردا على استهداف السفن التجارية، واعتبرت الإدارات المتعاقبة بما فيها إدارة ترامب الحالية أن العمليات الجوية لا تخضع لقيود الحروب البرية التقليدية، ويستمر هذا التوجه في ظل غياب الرقابة الفعالة على تحركات سلاح الجو الأمريكي في مناطق الصراع المشتعلة بالشرق الأوسط.

أمر ترامب بقصف منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025 دون موافقة الكونجرس بدعوى وجود تهديد وشيك للأمن القومي، وواجه القرار انتقادات حادة من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين الذين حذروا من الانزلاق نحو حرب شاملة غير محسوبة، وبررت الإدارة موقفها بالسعي لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي كهدف استراتيجي لا يتطلب انتظار الإجراءات البرلمانية الطويلة.

نفذت واشنطن في يناير 2026 غارات داخل فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ووصف العملية بأنها إجراء لإنفاذ القانون، واعتبر مراقبون دوليون الخطوة تدخلا عسكريا صريحا يفتقر للسند القانوني الدولي والداخلي على حد سواء، ويقبع مادورو حاليا في عزلة شبه كاملة داخل وحدة سكنية خاصة، حيث يقضي 23 ساعة يوميا دون تواصل حقيقي مع العالم الخارجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى