د. محمد الهادي عفيفي يرصد أبرز أنواع الشائعات المستخدمة ضد إيران فى الحرب
كيف استُخدمت الحرب النفسية ضد إيران كسلاح خفي في الصراعات؟
كتب: على طه
في ظل التصعيد العسكري والسياسي الذي شهدته المنطقة خلال المواجهات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، برزت الشائعات والحرب النفسية كأحد أخطر الأسلحة غير التقليدية المستخدمة للتأثير على الرأي العام وإرباك مؤسسات الدولة، وهو ما تناوله الدكتور محمد الهادي عفيفي أبوباشا، الاستشاري النفسي.

جاء ذلك في دراسة تحليلية سلطت الضوء على أبرز أنماط الشائعات المستخدمة ضد إيران أثناء الصراع، وآليات توظيفها استخباراتيًا ونفسيًا.
الحروب الحديثة
وأوضح أبوباشا فى الدراسة أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ والطائرات، بل أصبحت تقوم أيضًا على “حرب الإدراك والمعلومات والروايات الإعلامية”، مشيرًا إلى أن أجهزة الاستخبارات تعتبر الشائعة سلاحًا منخفض التكلفة وعالي التأثير وسريع الانتشار.
الشائعة في علم النفس
وأكد أن مفهوم الشائعة في علم النفس يُعرّف ـ وفقًا لعالم النفس الأمريكي جوردون ألبورت ـ بأنها “قصة أو معلومة تنتقل بين الناس دون وجود دليل موثق عليها”، بينما تُعرف الحرب النفسية، وفق القاموس العسكري الأمريكي، بأنها استخدام المعلومات أو الإشاعات والتضليل للتأثير في الإدراك والسلوك والمعنويات.
أبرز الشائعات
وأشارت الدراسة إلى أن من أبرز الشائعات التي استهدفت إيران خلال الأزمة، شائعات اغتيال القادة، مثل تداول أنباء عن مقتل المرشد الإيراني أو قيادات بالحرس الثوري، بهدف إحداث صدمة شعبية وخلق حالة ارتباك داخل مؤسسات الدولة، مستندة إلى ما يُعرف بـ”نظرية الفراغ المعلوماتي”، حيث تنتشر الأخبار غير المؤكدة بسرعة في ظل غياب البيانات الرسمية.
كما تناولت الحرب النفسية شائعات انهيار الاقتصاد الإيراني، من خلال الترويج لانهيار العملة ونفاد الوقود والقمح وإفلاس البنوك، في محاولة لدفع المواطنين إلى الهلع الشرائي وخلق حالة من السخط الاجتماعي والضغط النفسي على الحكومة، وهو أسلوب سبق استخدامه في أزمات دولية أخرى مثل العراق وروسيا وسوريا.
وأوضح أبوباشا أن الشائعات لم تتوقف عند الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى الترويج لوجود انقسامات داخل الجيش والحرس الثوري، عبر الحديث عن تمرد وحدات عسكرية أو خلافات داخلية، بهدف كسر الثقة بين المؤسسات الأمنية وإضعاف الروح القتالية، مستشهدًا بقول المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز إن “المعنويات نصف النصر في الحرب”.
وتضمنت الحملات أيضًا شائعات تتعلق بوجود اختراقات أمنية واسعة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، عبر الحديث عن اختراق الموساد للأجهزة السيادية أو تجنيد مسؤولين إيرانيين وتسريب مواقع الصواريخ والمنشآت، بما يؤدي إلى نشر الشك وفقدان الثقة داخل الأجهزة الرسمية.
شائعات “الحرب الشاملة”
كما لعبت شائعات “الحرب الشاملة” دورًا بارزًا، عبر تداول أخبار عن قرب توجيه ضربات أمريكية أو استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو إغلاق مضيق هرمز، وهي أخبار كان من شأنها رفع مستويات الذعر عالميًا والتأثير على أسواق النفط وحركة التجارة الدولية.
وأشار التقرير إلى أن من أخطر ما استُخدم أيضًا شائعات “الثورة الداخلية وسقوط النظام”، عبر الترويج لاحتجاجات واسعة أو هروب مسؤولين وانشقاقات داخل المدن الإيرانية، اعتمادًا على ما يعرف بنظرية “العدوى النفسية” وتأثير القطيع الاجتماعي.
أدوات نشر الشائعات
وفيما يتعلق بأدوات نشر الشائعات، أوضح أبوباشا أن وسائل التواصل الاجتماعي مثل “إكس” و”تيليجرام” و”تيك توك” أصبحت منصات رئيسية لنشر الأخبار المضللة عبر الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني والفيديوهات المفبركة، إلى جانب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق “Deepfake” لإنتاج مقاطع وصور وخطابات مزيفة يصعب التحقق منها.
وبيّن أن الحرب النفسية تُدار استخباراتيًا وفق مراحل تبدأ بجمع المعلومات عن نقاط ضعف المجتمع، ثم صناعة رواية قابلة للتصديق، يليها النشر المكثف وخلق الجدل واستغلال الخوف حتى تتحول الشائعة إلى قناعة عامة.
وأكد الدكتور محمد الهادي عفيفي أبوباشا أن الإسلام حذّر بوضوح من نشر الأخبار دون تحقق، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾،
وكذلك بحديث النبي ﷺ:
«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن أخطر ما في الشائعة أنها قد تهزم شعبًا نفسيًا قبل بدء المعركة، أو تدفعه لاتخاذ قرارات خاطئة دون إطلاق رصاصة واحدة، مشددًا على أن مواجهة التضليل الإعلامي تتطلب وعيًا مجتمعيًا وإعلامًا مهنيًا قادرًا على تقديم المعلومات الدقيقة في توقيتها الصحيح.





