جرجس بشرى يكتب: قنابل موقوتة في مشروع قانون الأحوال الشخصية للأقباط
.. هل هناك عصمة لقرار المجمع المقدس بالموافقة على القانون متى تعارض مع إيمان وتقاليد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية؟!
بيان
لفت نظري مؤخرًا تصريح خطير لنيافة الأنبا بولا، مطران طنطا، على إحدى القنوات التابعة للكنيسة، وهو يشرح مواد قانون الأحوال الشخصية الجديد الخاص بأبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وخطورة التصريح، الذي مر مرورًا عابرًا، تستوجب الوقوف عنده وكشف ما ينطوي عليه من آثار تمس استقرار الأسرة القبطية، ومعلوم أن استقرار الأسرة القبطية الأرثوذكسية هو جزء لا يمكن فصله مطلقًا عن استقرار الوطن وسلامته.
لقد ألمح نيافته إلى أنه عند وضع القانون روعي عدم تضارب أو تعارض مواده مع الاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان، ضاربًا مثلًا بمنع تمرير مصطلحات معينة في القانون، مثل «المثلية الجنسية»، مؤكدًا أنه تم رفض تمرير هذا المصطلح، والاستعاضة عنه بمصطلح «الشذوذ».
وخطورة الكشف عن هذا الأمر، في رأيي، تثير علامات استفهام وتساؤلات مرعبة حول القانون؛ فهل تم الاعتراض على مواد أخرى في القانون بحجة تعارضها مع الاتفاقيات الدولية، ومن ثم تم تعديلها أو سحبها قبل خروج القانون بالصورة التي رأيناها في وسائل الإعلام، والتي أثارت ردود أفعال واسعة وغاضبة من أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية؟
خاصة أن هناك مواد تتضمن مصطلحات عامة وغير محددة تحديدًا دقيقًا، مثل التوسع في أسباب الطلاق المدني، وإدخال مصطلح «الهجر»، وتمييع مصطلح «الامتناع» من أحد الزوجين باعتباره يمثل تهديدًا، وكذلك التوسع في أسباب البطلان، لدرجة أنه تم جعل أمور لا تتعلق بجوهر الزواج المسيحي سببًا رئيسيًا لبطلان الزواج، مثل الغش في أمور غير جوهرية كالسن أو المؤهل الدراسي.
وللعلم، أكد قداسة البابا شنودة الثالث، في محاضرات موثقة بالصوت والصورة لطلبة الإكليريكية أثناء شرحه لبطلان الزواج، أن الغش في المؤهل الدراسي أو السن لا يمكن أن يُبطل الزواج؛ لأنهما لا يتعلقان بأمور جوهرية.
وبالتالي، يمكن القول إن تمييع وتعميم المصطلحات والتعبيرات الواردة في بعض مواد القانون ستكون بمثابة قنابل موقوتة تعصف باستقرار الأسرة القبطية الأرثوذكسية، وتدفع إلى التحايل على القانون، وتخلق حافزًا للزوجين اللذين بينهما مشكلات لاستخدام هذه المواد كسلاح ضد الطرف الآخر.
كما أن الأخطر في القانون هو أن قيادات كنسية أوضحت أنه بعد الطلاق المدني سيكون من حق الكنيسة إعطاء تصريح لأحد الطرفين أو للطرفين معًا، أو منعه عنهما الاثنين، دون تحديد واضح للأسباب التي تمتنع فيها الكنيسة عن إعطاء تصريح زواج ثانٍ، أو الحالات التي يُسمح فيها بإعطاء التصريح، دون ترك هذه الأمور للهوى.
فالحالات عندما تكون واضحة قانونيًا، وبمصطلحات دقيقة وفي نقاط محددة منعًا ومنحًا، فإنها تقطع الطريق على كل من لديه هوى للتلاعب بالقانون وتكييفه لخدمة مصالح أشخاص بعيدًا عن الحق الكتابي وقوانين الكنيسة.
وما أريد أن أشدد عليه هو أن مواد القانون التي تم عرضها على العامة ليست إنجيلًا، بل يجب مراجعتها بدقة، وعدم إضفاء العصمة على من وضعوها. بل يجب أن تكون هناك حوارات مجتمعية موسعة بشأن مواد القانون ومصطلحاته، والأخذ بالآراء التي تستحق وتتوافق مع إيمان الكنيسة، خاصة أن خبراء قانونيين أكدوا أيضًا أنه يحتاج إلى مراجعة، وأن به بعض العوار، كما أنه سيطيل أمد التقاضي.
ولا زلت أصر على مطلبي بضرورة وضع مشروع القانون على صفحة المتحدث الإعلامي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية باللغة العربية، وترجمته إلى عدة لغات، وترك التعليقات مفتوحة أمام أبناء الكنيسة، وأن يكون هناك حوار في كل إيبارشيات الكرازة المرقسية في الداخل والخارج، وبمشاركة الشعب واستطلاع رأيهم في هذا القانون الذي سيُطبق عليهم وعلى أولادهم وأحفادهم.
وكذلك فتح حوار مجتمعي في القنوات المسيحية عبر بث مباشر مع الشعب، كما طالبت بذلك من قبل، فالقوانين لا تُفرض على الشعب الذي سيُطبق عليه هذا القانون، بل من حقه أن يكون مشاركًا أساسيًا في بنوده، بجانب عقد جلسات استماع داخل البرلمان حول القانون، يشارك فيها خبراء قانونيون مشهود لهم بالأمانة الأرثوذكسية، إلى جانب المتضررين وممثلين عن الشعب.
كما أريد أن أؤكد أن الاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان لا يجب أن تكون ستارًا أو حربًا ناعمة تُنتهك من خلالها الشرائع السماوية واستقرار الأسرة المصرية، سواء كانت مسيحية أو مسلمة.
وقد يظن البعض أن موافقة المجمع المقدس بالإجماع على مشروع القانون تجعله محصنًا من المراجعة أو التعديل أو التصحيح، لكن القرارات المجمعية ليست معصومة متى ثبت تعارضها مع وصايا السيد المسيح وتعاليم الإنجيل وقوانين الكنيسة.
وتؤكد اللائحة الأساسية للمجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية ذلك، حيث تنص المادة (68) على أن:
«تلتزم الكنيسة كلها بهذه اللائحة من تاريخ اعتماد المجمع المقدس لها، ويوقع عليها كل أعضاء المجمع المقدس وكل أسقف جديد».
والنقطة غاية في الأهمية أن هناك مادة في اللائحة تؤكد أنه عند تعديل أي بند فيها، يجب ألا يتعارض مع تقاليد الكنيسة وإيمانها، فما بالك بالقرار المجمعي نفسه؟! إذ لا بد حتمًا أن يكون متوافقًا مع إيمان الكنيسة وتقاليدها.
حيث نصت الفقرة «أ» من المادة (70) من اللائحة على الآتي:
«إذا اقتضت المصلحة العامة تعديل أي بند من هذه اللائحة، فيشترط الآتي:
أ- أن يكون هذا التعديل موافقًا لقوانين الكنيسة وتقاليدها».
كما أن هناك مواد في اللائحة تؤكد ضرورة التراجع عن القرار المجمعي إذا ثبت تعارضه مع إيمان وتقاليد الكنيسة.
وللموضوع بقية.





