تقدير موقف حول اشتباكات الأمس في مضيق هرمز
تقرير يكتبه: أحمد رفعت يوسف
ما حدث بالأمس في منطقة الخليج ومضيق هرمز تطور يحمل الكثير من المؤشرات والدلالات.
القوات البحرية الإيرانية استهدفت ثلاث مدمرات أمريكية بالقرب من المضيق، وتقول إنها ألحقت بها خسائر فادحة، وإن القطع البحرية الأمريكية الثلاث فرت بسرعة من المنطقة.
إيران بررت الحادث بأن الجيش الأمريكي قام بخرق وقف إطلاق النار، واستهداف ناقلة نفط إيرانية كانت تتحرك من المياه الساحلية الإيرانية، في منطقة جاسك، باتجاه مضيق هرمز، وسفينة أخرى كانت تدخل المضيق مقابل ميناء الفجيرة الإماراتي.
كما تعرضت مناطق مدنية في سواحل بندر خمير وسيريك وجزيرة قشم لاعتداءات جوية أمريكية، بالتعاون مع بعض دول المنطقة.
متحدث إيراني أوضح بأن الرد تم بصواريخ بالستية، وصواريخ كروز المضادة للسفن، وطائرات مسيرة انتحارية برؤوس حربية شديدة الانفجار، وحذر بأن على الولايات المتحدة والدول الداعمة لها أن تعلم أن إيران سترد بقوة، ودون أدنى تردد، برد ساحق على أي اعتداء.
من جانبها، قالت القيادة المركزية الأمريكية الوسطى: “تصدينا” لهجمات إيرانية، ورددنا بـ”ضربات دفاعية” بينما كانت مدمراتنا تعبر مضيق هرمز، وأن الهجوم الإيراني تم بواسطة صواريخ ومسيّرات وزوارق صغيرة.
وأكد البيان أن الولايات المتحدة الأمريكية “لا تسعى إلى التصعيد، إلا أنها تبقى في وضعية استعداد وجاهزية لحماية القوات الأمريكية”.
الرئيس ترامب خرج، كعادته، للتصريح شرقًا وغربًا، وقال إن الولايات المتحدة الأمريكية تتفاوض مع إيران، وإن وقف إطلاق النار مع إيران لا يزال قائمًا.
وأوضح ترامب أن “المدمرات الأمريكية خرجت وبنجاح كبير من مضيق هرمز تحت القصف”.
في هذه الأخبار وطريقة عرضها من الجانبين العديد من الملاحظات المهمة:
– ترامب خرج أكثر من مرة وهو يقول إنه دمر القوات البحرية الإيرانية بنسبة مئة بالمئة، وهذا يؤكد أن تصريحاته غير صحيحة.
– أن تستهدف القوات الإيرانية قطعًا حربية أمريكية وتهرب هذه القطع، وأن يعتبر ترامب هذا الفرار “نجاحًا كبيرًا”، فهذا ستكون له تداعيات كبيرة.
– أن يؤكد الرئيس الأمريكي بأن الحادثة، رغم خطورتها، لن تؤثر على قرار وقف القتال ولن توقف التفاوض مع إيران، فهذا يؤكد أن الأمريكيين غير ضامنين لنتائج جولة جديدة من القتال.
– الإشارة الإيرانية إلى أن العدوان الأمريكي تم “بالتعاون مع بعض دول المنطقة”، والمقصود الإمارات، له أبعاد خطيرة، خاصة في حال عادت المواجهات.
– في الأخبار إشارة إلى طرف ثالث، ربما هو من قام بقصف المواقع الساحلية الإيرانية، وهذه إشارة واضحة إلى الكيان الصهيوني، حيث لا يخفي قادته تخوفهم من إبرام اتفاق أمريكي إيراني يوقف الحرب، وفي ذلك خسارة استراتيجية سيكون أثرها وتداعياتها كبيرة على الكيان.
– الحدث ودور الإمارات تزامنا مع زيارة “إشكالية” قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي، وكشف هناك عن تواجد قوة جوية مصرية فيها.
وهذا التطور يثير الكثير من التساؤلات حول دور مصر، لأن الرأي العام المصري يشهد تحولًا غير مسبوق ضد الأمريكيين والإسرائيليين، ويجهر معظم قادة الرأي والنخب المصرية بموقفهم المتضامن مع إيران، وهم يدركون بأن انهيار إيران سيعني انهيار مصر لاحقًا، وأن صمودها يساهم في تحرير مصر من قيود كامب ديفيد، وفي استعادة دورها العربي والإفريقي.
كما لا يمكن فصل “إشكالية” الزيارة عن موقف الإمارات المتماهي إلى حد كبير مع الموقفين الإسرائيلي والأمريكي، وفي خلافها مع السعودية وبقية دول الخليج.
وهذه التساؤلات، ومدى شرعية وقانونية إرسال جنود مصريين إلى الإمارات، يثيرها الرأي العام والنخب المصرية قبل غيرهم.
بالتأكيد يجب ألا يغيب عن بالنا أن ترامب مخادع، وقد يكون كل هذا اللين مجرد صمت حتى يستكمل استعداداته لعدوان جديد.
لكن، أيا كانت نوايا الأمريكيين والإسرائيليين، فإن الوقائع الميدانية والجيوسياسية تؤكد بأن استئناف العدوان ليس بالأمر السهل عليهم، خاصة أن نتائج الجولة الأولى كانت كارثية بتداعياتها الجيوسياسية على الجانبين، رغم الخسائر التي أوقعوها بالإيرانيين، وتكتمهم على الخسائر التي تلقوها.
مع الإشارة إلى أن الإيرانيين، بدورهم، ليسوا نائمين ولا غافلين عن هذه النوايا، وهم يستعدون أيضًا.
كما أن نتائج الجولة الأولى، حيث تمكنت إيران من الصمود وترميم الخسائر البشرية والمادية، وتوجيه ضربات موجعة للمواقع والقواعد الأمريكية والإسرائيلية، تشجع داعميها الدوليين، وفي مقدمتهم بكين وموسكو، على تقديم المزيد من الدعم العسكري واللوجستي، وهو ما يتضح في مواقفهم من النقاشات التي تجري في مجلس الأمن حول إصدار قرار بشأن الوضع في الخليج، حيث يمنعون إدانة إيران أو تحميلها مسؤولية القتال.
نحن أمام موقف حساس وصعب ومتغير، وقد يشهد انعطافًا حادًا، سواء نحو الاتفاق على وقف نهائي للقتال أو تفجر الموقف من جديد.
وميزة هذه الحرب أن تأثيرها وتداعياتها الجيوسياسية أهم بكثير من نتائجها العسكرية، والعالم كله يترقب كيف ستنتهي هذه المعركة، لأن الكثير من توازنات القوى الإقليمية والدولية والخرائط الجيوسياسية سيتم رسمها بناءً على هذه النتائج.






