انفتاح مصري شامل على القارة الأفريقية لتعزيز الشراكة والتنمية المستدامة

كتب: ياسين عبد العزيز
تبنت الدولة المصرية منذ يونيو 2014 استراتيجية جديدة لإعادة صياغة علاقاتها مع القارة الأفريقية، حيث انتقلت من مرحلة استعادة الدور التاريخي إلى بناء مسار عمل متكامل يشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية، معتبرة القارة ساحة مركزية لحماية الأمن القومي وتوسيع المصالح المشتركة.
الرئيس السيسي يلتقي سكرتير عام الأمم المتحدة.. تفاصيل
ترجمت القاهرة هذا التوجه عبر تكثيف الزيارات الرئاسية والمشاركة الفاعلة في قمم الاتحاد الأفريقي وتجمعات الكوميسا، حيث جرى الربط بين ملفات السلم والأمن وإعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية، بجانب تعزيز التجارة البينية وتمكين الشباب والمرأة كركائز أساسية للمقاربة المصرية تجاه القارة السمراء.
استندت رؤية الرئيس السيسي إلى مرتكزات ثابتة تضمنت الاعتزاز بالهوية الأفريقية لمصر، وتبني شعار التنمية والتكامل الإقليمي عبر بناء القدرات والتعاون الفني المستدام، بالإضافة إلى تنسيق الجهود لمواجهة التحديات العابرة للحدود مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والأزمات البيئية والصحية.
شكلت قمة مالابو لعام 2014 نقطة الانطلاق الرسمية لعودة مصر لممارسة أنشطتها داخل الاتحاد الأفريقي، حيث حملت المشاركة المصرية رسالة واضحة بعودة القاهرة لفضائها القاري من بوابة العمل المؤسسي، مما أتاح فرصة لبحث ملفات استراتيجية هامة كان في مقدمتها تطورات أزمة سد النهضة.
طرحت مصر خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي عام 2019 أجندة عمل طموحة ركزت على تسريع إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية، وإطلاق مشروعات لوجستية ضخمة مثل طريق القاهرة–كيب تاون، والربط الملاحي بين البحر المتوسط وبحيرة فيكتوريا، لتعزيز التواصل الجغرافي والاقتصادي بين دول القارة.
دشن منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة طرحاً مصرياً يربط بين استقرار الدول وتحقيق النمو، مؤكداً أن السلام الدائم يتطلب معالجة الجذور العميقة للنزاعات وتفعيل الدبلوماسية الوقائية، مع تحويل جهود إعادة الإعمار إلى مسار مؤسسي يستضيفه مركز الاتحاد الأفريقي المتخصص في القاهرة.
دعت مصر خلال قمة الكوميسا لعام 2021 إلى تطبيق رؤية صنع في الكوميسا لتحقيق التكامل الصناعي، وطالبت بإزالة العوائق الجمركية ودعم سلاسل القيمة الإقليمية والتحول الرقمي، بهدف تحويل التكامل الاقتصادي إلى أداة عملية تضمن التعافي من الأزمات الصحية والاقتصادية العالمية.
شهدت الجولات الرئاسية المصرية امتداداً جغرافياً واسعاً شمل دول حوض النيل وشرق ووسط وغرب أفريقيا، حيث ركزت الزيارات إلى تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد على مجالات الاستثمار الزراعي والدوائي، بالإضافة إلى التعاون الأمني والعسكري وتبادل الخبرات الفنية لمكافحة الفساد الإداري.
سجلت السياسة الخارجية محطة تاريخية بزيارة جوبا في نوفمبر 2020 كأول زيارة لرئيس مصري لجنوب السودان، كما استمر الزخم في يونيو 2023 بجولة شملت أنجولا وزامبيا وموزمبيق، مما يعكس الحرص على تعزيز التنسيق مع دول الجنوب الأفريقي وربط الدبلوماسية الثنائية بالتكتلات الاقتصادية.
استقبلت القاهرة عشرات القادة والمسؤولين الأفارقة في قمم ومنتديات ثنائية وقارية متعددة، حيث تحولت العاصمة المصرية إلى محطة دائمة لصياغة القرارات الأفريقية، واستضافة رؤساء كينيا والكونغو الديمقراطية وجيبوتي والصومال والسنغال لبحث سبل التعاون المشترك وتوحيد المواقف في المحافل الدولية.
أطلقت مصر الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في عام 2014 لتكون الذراع التنموي الرئيسي في القارة، حيث نجحت الوكالة في تنظيم 700 دورة تدريبية استفاد منها 18 ألف متدرب أفريقي، بجانب إيفاد 120 خبيراً وإرسال 20 قافلة طبية و195 حاوية من المساعدات اللوجستية والإنسانية.
نفذت المؤسسات المصرية مشروعات حيوية على الأرض شملت إنشاء محطات طاقة شمسية في أوغندا ومركز للتنبؤ بالمناخ في الكونغو، بالإضافة إلى المساهمة في بناء مراكز طبية متخصصة ومحطات كهرباء في بوروندي وجنوب السودان، وحفر آبار مياه في تنزانيا لدعم الأمن المائي والغذائي.





