جيل بلا أطراف.. حين يصبح المشي حلمًا مؤجلًا لمبتوري الأطراف فى غزة
مصادر – موقع بيان الإخبارى
داخل أروقة مركز الأطراف الصناعية في غزة، لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات طبية، بل تتحول إلى قصص إنسانية موجعة تختصر حجم المأساة التي يعيشها آلاف الجرحى، في ظل الحرب المستمرة والحصار الخانق ونقص الإمكانيات الطبية.
أزمة إنسانية وتقنية
فمع تزايد أعداد المصابين، يواجه المركز أزمة إنسانية وتقنية غير مسبوقة، بعدما أدى استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المواد الأساسية اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية إلى تهديد قدرة الجرحى على استعادة حياتهم الطبيعية، أو حتى العودة إلى الحركة من جديد.
الأعداد مفزعة
ووفق تقديرات العاملين في المركز، سجلت الحرب حتى الآن نحو ستة آلاف حالة بتر في قطاع غزة، من بينهم نسبة كبيرة من الأطفال بلغت 25%، إضافة إلى 12.7% من النساء، فيما لا تزال القائمة مرشحة للارتفاع مع استمرار العمليات العسكرية وتدفق الإصابات يوميًا.
ورش صغيرة وبدائل محلية
داخل الورش الصغيرة التابعة للمركز، يخوض الفنيون والأطباء معركة يومية بأدوات محدودة وإمكانات شبه معدومة، في محاولة لتوفير أطراف صناعية للمصابين، بعد منع دخول المواد الخام والمستلزمات الطبية الأساسية.
ويضطر المختصون إلى استخدام بدائل محلية بسيطة لا تتوافق في كثير من الأحيان مع المعايير الطبية المطلوبة، الأمر الذي يضاعف معاناة المرضى ويزيد من الأعباء الجسدية والنفسية عليهم، إلا أنها تبقى الخيار الوحيد المتاح لمنع توقف الخدمة بشكل كامل.
ويقول عاملون في المجال الطبي إن استمرار نقص المواد يهدد بانهيار منظومة تصنيع الأطراف الصناعية بالكامل، خاصة مع تراجع المخزون المتبقي بصورة متسارعة، ما يضع آلاف الجرحى أمام مستقبل مجهول.
الأبعاد النفسية والاجتماعية
ولا تتوقف الأزمة عند الجانب الطبي فقط، بل تمتد إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية، حيث يجد كثير من مبتوري الأطراف أنفسهم فجأة عاجزين عن الحركة والعمل وممارسة حياتهم اليومية، في وقت تزداد فيه الظروف الإنسانية قسوة داخل القطاع المحاصر.
ومن بين القصص الإنسانية المؤلمة التي تعكس حجم المعاناة في قطاع غزة، تبرز قصة الطفل راتب أقليق، البالغ من العمر 9 سنوات، من مدينة دير البلح، والذي فقد ساقه اليمنى إثر غارة جوية أودت أيضًا بحياة والديه وشقيقه الأكبر.
ولعدة أشهر، حاول الطفل التغلب على إعاقته بوسائل بدائية، بعدما صنع بنفسه ساقًا مؤقتة من أنبوب مياه بلاستيكي مكسور، ثبّته بالحبال ليتمكن من الحركة والخروج من الخيمة التي يعيش فيها. وقال راتب إنه كان يحلم فقط بالمشي وزيارة قبر والدته واللعب مع أصدقائه، رغم الألم الشديد الذي كان يسببه له ذلك الأنبوب البدائي.
وبعد ستة أشهر من المعاناة، حصل راتب على طرف صناعي من مركز الأطراف، الأمر الذي غيّر حياته تدريجيًا، حيث استعاد جزءًا من قدرته على الحركة واللعب وممارسة حياته بصورة أقرب إلى الطبيعية.
ويقول الطفل بابتسامة امتزجت بالأمل: «شعرت وكأنني وُلدت من جديد»، مؤكدًا أنه يتدرب يوميًا حتى يتحسن أكثر، ويحلم عندما يكبر بأن يصبح فني أطراف صناعية لمساعدة الأطفال الذين مروا بالتجربة نفسها.
ويؤكد مختصون أن توقف خدمات مركز الأطراف الصناعية سيعني عمليًا حرمان جيل كامل من المصابين من فرصة العودة إلى الحياة بصورة طبيعية، خاصة الأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة وأطراف صناعية يتم تغييرها مع مراحل النمو.
مشهد حاضر بقوة
وفي شوارع غزة ومخيماتها، بات مشهد الكراسي المتحركة والعكازات حاضرًا بقوة، بينما تتحول القدرة على المشي إلى حلم يومي ينتظره آلاف المصابين الذين فقدوا أطرافهم تحت القصف.
وتواصل غزة اليوم صراعها من أجل البقاء، ليس فقط في مواجهة الحرب والدمار، بل أيضًا في معركة استعادة القدرة على الوقوف من جديد، حرفيًا ومجازيًا، وسط تساؤلات متزايدة حول المدة التي يمكن أن تصمد فيها البدائل المحلية أمام الأعداد المتزايدة من الإصابات، واستمرار القيود المفروضة على دخول المعدات والمواد الطبية الأساسية.





