الكابوس المرعب لإسرائيل وخطة ترامب لإخضاع طهران
- بين نيران "الصقور" وتلاسن "الديمقراطيين".. ترامب يقترب من اتفاق "مضيق هرمز" تحت شعار: لا دولارات لإيران دون تصفية "الغبار النووي" - معادلة ترامب الصعبة بعد ضرب إيران: كيف يوازن البيت الأبيض بين ضغوط أسواق الطاقة ومخاوف إسرائيل؟

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مأزق سياسي حاد؛ حيث بات يحكم بين خصوم ديمقراطيين يتمنون فشله، وحلفاء جمهوريين يطالبونه بـ “انتصارات مستحيلة”.
ويواجه ترامب هذا التحدي الداخلي بالتزامن مع إعلانه الحاسم بأن مسودة اتفاق إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي أمام الملاحة الدولية باتت “شبه منجزة”؛ ممهداً الطريق لترتيبات أمنية جديدة في الخليج عقب “الحرب الإيرانية الثانية”.
جبهتان من الهجوم في واشنطن
يتعرض ترامب لهجوم شرس من جبهتين أو اتجاهين متناقضين في آن واحد بشأن دبلوماسيته الجديدة تجاه طهران، مخاوف الجمهوريين وصقور الحزب: يخشى حلفاء ترامب، مثل السيناتور ليندسي غراهام، من حدوث تراجع أمريكي مهين، حيث حذر غراهام عبر منصة “إكس” من أن إبرام اتفاق بذريعة العجز عن حماية مضيق هرمز من “الإرهاب الإيراني” سيُظهر طهران كقوة مهيمنة تفرض الحل الدبلوماسي، واصفاً هذا السيناريو بـ “الكابوس المرعب لإسرائيل”.
في المقابل، يرى المعارضون للحرب منذ البداية أن التوجه نحو الدبلوماسية هو اعتراف بفشل الخيار العسكري، وبعبارة أخرى سوف يستجلب هذا الأمر شماتة الديمقراطيين.
وفى هذا الصدد صرح السيناتور كريس فان هولن متهكماً بأن الإطار الناشئ ليس سوى “عودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل اندلاع الحرب”.
واقع إيراني منهار.. ومكاسب استراتيجية لواشنطن
ويرى خبراء ومسؤولون في الإدارة الأمريكية أن الانتقادات المتبادلة تشوه المنطق الاستراتيجي الراهن؛ إذ ترفض جبهة المعارضة الاعتراف بالإنجازات الجوهرية للحرب، وفي مقدمتها التقويض الشديد للبرنامج النووي الإيراني.
ووفقاً لتقييم ديفيد ألبرايت، رئيس معهد العلوم والأمن الدولي، فإن طهران تحولت من “شبه مؤكدة” القدرة على بناء قنبلة نووية خلال أشهر، إلى مواجهة جداول زمنية أطول بكثير وفرص نجاح ضئيلة.
وميدانياً واقتصادياً، فأن واقع إيران اليوم يقع تحت ركام قاصم، فالاقتصاد الإيراني بات يعيش في حالة خراب شامل بسبب العقوبات الشديدة وفقدان عائدات النفط وتدمير البنية التحتية.
وأذرع إيران ووكلاؤها في المنطقة (ما كان يُعرف بـ “محور المقاومة”) فقدوا جزءاً كبيراً من قوتهم وباتوا عاجزين عن التنسيق الميداني.
والمرشد الأعلى الجديد (الذي يوصف داخل كواليس واشنطن بـ “الابن المدلل للعائلة”) يدير قيادة ممزقة من داخل المخابئ السرية تحت الأرض.
هذا غير تدمير الجزء الأكبر من برنامج الصواريخ الباليستية التابع للحرس الثوري (IRGC) وتحوله إلى أنقاض.
استراتيجية “لا غبار.. لا دولارات”
وتكشف مصادر رفيعة في الإدارة الأمريكية عن فلسفة ترامب التفاوضية، والتي تختلف جذرياً عن نهج باراك أوباما؛ حيث لا يمنح ترامب رفعاً شاملاً للعقوبات مقابل تنازلات مؤقتة، بل يتبع نموذجاً صارماً مشروطاً بالأداء عبر مرحلتين كالتالى:
المرحلة الأولى:
توقيع مذكرة تفاهم (MOU) تركز حصرياً على إعادة فتح مضيق هرمز تحت مراقبة دولية لتهدئة أسواق الطاقة العالمية، وتخفيف التوترات العسكرية، والحفاظ على وقف إطلاق النار الراهن، مقابل منح إيران تخفيفاً اقتصادياً محدوداً ومؤقتاً يسمح لها ببيع كميات محددة من النفط.
المرحلة الثانية:
الانتقال مباشرة إلى الملف النووي؛ حيث ستضغط واشنطن لإجبار طهران على التخلص مما يصفه ترامب بـ “الغبار النووي” (بقايا البنية التحتية النووية ومخزونات اليورانيوم المخصب).
وتتلخص القاعدة الذهبية للإدارة في عبارتين: “لا غبار.. لا دولارات”، ولن يتم التنازل عن أي أوراق ضغط قبل الحصول على خطوات إيرانية ملموسة جرى التحقق منها.
وبالتوازي مع هذه الدبلوماسية، تواصل واشنطن الردع العسكري؛ حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن توجيه ضربات دفاعية في جنوب إيران استهدفت منصات إطلاق صواريخ وقوارب إيرانية حاولت زرع ألغام بحرية في الخليج.
سيناريوهات المستقبل
وتتوقع القراءات السياسية أن تؤول خطة ترامب إلى أحد سيناريوهين: الأول السيناريو المتفائل، وفيه أن تنجح مذكرات التفاهم، ويدفع اليأس الاقتصادي وتفكك النظام داخلياً قادة الحرس الثوري إلى استنتاج أن التنازل الجزئي أفضل من العزلة الطويلة ومواجهة ضربات أمريكية جديدة، مما يقود لتنازلات حقيقية في الملف النووي.
أما السيناريو المتشائم وهو (الأكثر ترجيحاً) فهو أن تفتح جبهة مضيق هرمز، لكن تتعثر مفاوضات الملف النووي في دهاليز المماطلة الإيرانية المعتادة.
وفي هذه الحالة، ستحقق واشنطن مكسباً استراتيجياً أيضاً؛ حيث سيتحول المشهد إلى محاكاة “نموذج احتواء صدام حسين” بعد عام 1991؛ من خلال خلق نظام إيرانى ضعيف، معزول، محاصر بالعقوبات، وتحت مراقبة لصيقة من الطيران الأمريكي والإسرائيلي المستعد للتدخل الفوري عند أي مظهر للتصعيد.
ملامح “العقيدة الترامبية” الجديدة
ويمكننا الآن رسم ملامح “العقيدة الترامبية” الجديدة في التعاطي مع أزمات الشرق الأوسط في صيف 2026، من خلال الكشف عن الكواليس غير المعلنة عبر العناوين التحليلية التالية:
– الردع العسكري الحاضر خلف الطاولة (الفرق عن أوباما)
لقد نجح ترامب في إدخال العنصر الذي غاب تماماً عن سنوات حكم باراك أوباما، وهو “الاستعداد الفعلي والمبرهن لاستخدام القوة العسكرية الغاشمة”.
ويأتي ضرب منصات الصواريخ وقوارب الألغام الإيرانية في جنوب إيران بالتزامن مع المفاوضات هو رسالة تفاوضية تحت النار؛ مفادها أن الدبلوماسية الأمريكية لا تعني منح الأمان للنظام، وأن الهيمنة العسكرية واعتلاء سلم التصعيد يظلان الركيزة الأساسية لفرض الشروط الأمريكية.
– مضيق هرمز مقابل النفط.. مقايضة الأمن بالطاقة
ويكشف قرار ترامب بالموافقة على اتفاق مرحلي لفتح مضيق هرمز؛ أن الإدارة الأمريكية انصاعت مرغمة لواقع “قوة الردع الهجينة” لإيران؛ فطهران – رغم تدمير ترسانتها الباليستية ونظامها النووي – لا تزال قادرة على هز أسواق الطاقة العالمية وخنق الاقتصاد الدولي عبر تهديد حركة ناقلات النفط.
واختار ترامب تبريد الجبهة الاقتصادية العالمية عبر مقايضة “أمن الممر المائي” بالسماح لإيران ببيع كميات محدودة من النفط، كحل إسعافي يمنع قفزات أسعار الوقود جنونياً.
– فصل الملفات وتطويق أذرع طهران (لبنان وحزب الله)
وتكشف كواليس الإدارة الأمريكية عن تكتيك ذكي لقطع الطريق على الدبلوماسية الإيرانية؛ إذ تحاول طهران دائماً استخدام أوراقها الإقليمية (مثل حزب الله في لبنان) كقطع غيار للمساومة على ملفها النووي.
فى حين يهدف الضغط الأمريكي لفصل ملف لبنان وحزب الله عن المفاوضات النووية، وحرمان طهران من فرصة مقايضة نفوذها الإقليمي بالدولارات، وإبقائها في حالة حصار واحتواء طويل الأجل يشبه سيناريو العراق في التسعينيات.
– معركة النفس الطويل وعزلة “الجيل الثاني” للملالي
الرهان الحقيقي لترامب خلف مصطلح “لا غبار.. لا دولارات” يعتمد على الوقت؛ فالنظام الإيراني المتصدع برئاسة “المرشد الجديد” يواجه احتقاناً داخلياً غير مسبوق بسبب التضخم والفساد.
وتريد واشنطن عبر اتفاق “هرمز” المحدود إجبار الحرس الثوري على الخروج من “مظلة الطوارئ العسكرية” ومواجهة الأزمات المعيشية للشعب الإيراني مباشرة، مراهنة على أن الضغط الداخلي الممزوج بالإنهاك العسكري الخارجي سيتكفل بانهيار النظام من الداخل دون الحاجة لغزو بري أمريكي شامل.





