د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: تسريبات تفضح الجانب الآخر من سياسة نتنياهو

بيان

في السنوات الأخيرة، برز بنيامين نتنياهو، المعروف بـ”بيبي”، كشخصية محورية في تشكيل المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط.

تقارير دولية حديثة وتسريبات متداولة تسلط الضوء على الجانب الآخر من سياساته، محذرة من أنها ساهمت في تعميق الصراعات الإقليمية بدلاً من احتوائها.

هذه السياسات، التي تجمع بين التصعيد العسكري والحسابات السياسية الداخلية، أثارت جدلاً واسعاً حول دورها في إشعال فتيل التوترات الحالية.
منذ عودته إلى السلطة، اعتمد نتنياهو استراتيجية تعتمد على منع قيام دولة فلسطينية مستقلة، ومواجهة النفوذ الإيراني، وتعزيز التطبيع مع دول عربية.

لكن النتائج كانت معقدة. على سبيل المثال، اتهمت تقارير عديدة حكومته بدعم غير مباشر لحماس في مراحل سابقة من خلال تسهيل تحويلات مالية قطرية إلى غزة، بهدف الحفاظ على انقسام فلسطيني يمنع تشكل قيادة موحدة قادرة على التفاوض حول حل الدولتين.
هذه السياسة، بحسب مراقبين، ساهمت في تعزيز قوة حماس كعامل معيق لأي تقدم سلمي، مما مهد لتصعيدات لاحقة مثل هجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب الدامية التي تلته.

كما أدت سياسات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية إلى تقويض الثقة في عملية السلام، وزيادة التوتر مع الفلسطينيين والمجتمع الدولي.

التصعيد مع إيران و”محور المقاومة”

يُنظر إلى نتنياهو كمهندس رئيسي للتصعيد ضد إيران وحلفائها، منذ رفضه الاتفاق النووي الإيراني في عهد أوباما، دفع باتجاه سياسة “الضغط الأقصى”، التي شملت عمليات سرية واغتيالات وغارات جوية.

في السنوات 2024-2026، شهدت المنطقة تصعيداً كبيراً: ضربات على لبنان وسوريا وإيران نفسها، وصولاً إلى حروب محدودة مثل “حرب الاثني عشر يوماً” في 2025.
النقاد يرون أن هذه السياسات، رغم إضعاف قدرات حزب الله وحماس عسكرياً، أدت إلى توسيع دائرة الصراع إلى دول متعددة، مما زاد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

كما أن التركيز على “التغيير الإقليمي” عبر القوة العسكرية أثار مخاوف من حروب استنزاف طويلة الأمد، خاصة مع استمرار التوترات في غزة ولبنان وسوريا.

الدافع السياسي الداخلي

تشير تحليلات عديدة إلى أن جزءاً كبيراً من التصعيد مرتبط بحسابات نتنياهو الشخصية، مع محاكمات فساد معلقة ومعارضة داخلية قوية، ساعدت حالة الحرب في تأجيل الانتخابات وتوحيد الرأي العام الإسرائيلي خلف القيادة.

بعض التقارير تتحدث عن “حرب للبقاء السياسي”، حيث يُستخدم التهديد الخارجي لصرف الانتباه عن المشكلات الداخلية مثل الإصلاح القضائي والانقسامات الاجتماعية.

التأثير على الشرق الأوسط

ساهمت سياسات “بيبي” في إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية. نجح في تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، ودفع اتفاقيات إبراهيم، لكن التصعيد المستمر أثار توتراً مع دول عربية أخرى وأضعف فرص الاستقرار طويل الأمد.

اليوم، يواجه الإقليم تحديات إنسانية هائلة في غزة، ومخاطر انتشار الصراع، مع أسئلة حول ما إذا كانت “القوة المطلقة” كفيلة بتحقيق سلام دائم أم أنها تولد المزيد من الدورات العنفية.
في النهاية، لم تعد سياسات نتنياهو مجرد موضع جدل، بل أصبحت دليلاً دامغاً على فشل كارثي وخطر وجودي. “بيبي” لم يكن مجرد رئيس وزراء يدافع عن أمن إسرائيل، بل مهندساً رئيسياً لتعميق الصراعات الإقليمية، ومُشعلاً لدورات العنف التي حصدت آلاف الأرواح ودمّرت فرص السلام لأجيال قادمة.

بدلاً من بناء أمن حقيقي، راهن على سياسة الاستفزاز والتوسع والحروب المتكررة للبقاء في السلطة، مستغلاً الدماء الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء ليغطي فشله السياسي وفساده الشخصي.
التسريبات والتقارير الدولية تكشف يوماً بعد يوم وجهه الحقيقي: رجل يُفضّل الحرب على السلام، والكراهية على الاستقرار، والسلطة الشخصية على مصلحة شعبه والمنطقة بأسرها.

الرهان الأعمى على القوة العسكرية والتدمير لن يجلب إلا المزيد من الخراب والدمار، وسيظل نتنياهو في التاريخ كأحد أكبر مساهمي التوتر والعنف في الشرق الأوسط الحديث.

طالع المزيد:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى