خالد سالم يكتب: ماسبيرو في الوجدان
بيان
تعد الهيئة الوطنية للإعلام وصرح ماسبيرو أحد أهم المؤسسات الإعلامية في العالم العربي، ليس فقط لما يمتلكه من تاريخ عريق يمتد لعقود، بل لما يؤديه من دور محوري في ترسيخ مفهوم إعلام الخدمة العامة الذي يضع المواطن في قلب العملية الإعلامية، ويجعل المصلحة الوطنية والتنموية فوق أي اعتبارات تجارية أو ربحية.
وعندما نتحدث عن ماسبيرو بالأرقام، فإننا لا نستعرض مجرد إحصاءات جامدة، بل نتأمل حجم مؤسسة إعلامية ضخمة تحمل على عاتقها مسؤولية التنوير والتثقيف والحفاظ على الهوية الوطنية. فشبكة التليفزيون المصري تضم العديد من القنوات العامة والمتخصصة والإقليمية، بينما تمتد شبكة الإذاعة المصرية عبر محطات متنوعة تخاطب مختلف الفئات العمرية والثقافية والاجتماعية داخل مصر وخارجها.
لقد استطاع إعلام الخدمة العامة عبر ماسبيرو أن يصل إلى ملايين المواطنين في المدن والقرى والنجوع، مقدماً محتوى إخبارياً وثقافياً وتعليمياً ودينياً وتنموياً يراعي احتياجات المجتمع ويعكس تنوعه. كما لعب دوراً مهماً في التوعية بالقضايا الوطنية الكبرى، ودعم جهود التنمية، وتعزيز قيم الانتماء والوعي المجتمعي.
وتشير الأرقام إلى أن ساعات البث اليومية التي تقدمها قطاعات التليفزيون والإذاعة تتجاوز مئات الساعات، تشمل نشرات إخبارية وبرامج حوارية وثقافية وتعليمية وخدماتية. كما يشارك آلاف العاملين من إعلاميين وفنيين ومهندسين وإداريين في تشغيل هذه المنظومة الإعلامية العملاقة، بما يضمن استمرارية الرسالة الإعلامية على مدار الساعة.
ويبرز دور إعلام الخدمة العامة بشكل خاص في أوقات الأزمات والكوارث والأحداث الوطنية الكبرى، حيث يصبح المصدر الأكثر موثوقية للمعلومات الدقيقة، ويؤدي دوراً أساسياً في مواجهة الشائعات ونشر الحقائق. وقد أثبت ماسبيرو عبر تاريخه الطويل قدرته على القيام بهذا الدور الوطني بمهنية ومسؤولية.
وفي إطار خطة التطوير التي تشهدها الهيئة الوطنية للإعلام، برئاسة الكاتب الصحفي أحمد المسلماني، شهد ماسبيرو حراكاً واسعاً يستهدف استعادة مكانته الرائدة وتعزيز دوره كمنصة رئيسية لإعلام الخدمة العامة. وقد تضمنت هذه الجهود تحديث عدد من الاستوديوهات ورفع كفاءة البنية الإعلامية، وإطلاق مبادرات لتطوير المحتوى البرامجي، والاهتمام بتأهيل الكوادر الإعلامية، إلى جانب إعادة إحياء عدد من الفعاليات المهنية والثقافية التي تعزز مكانة الإعلام الوطني.
كما ركزت خطة التطوير على استثمار الأصول الإعلامية والتاريخية لماسبيرو، وتعظيم الاستفادة من أرشيفه الضخم الذي يمثل ذاكرة مصر المرئية والمسموعة، فضلاً عن التوسع في الحضور الرقمي وتطوير المنصات الإلكترونية بما يواكب التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام عالمياً، ويضمن وصول الرسالة الإعلامية الوطنية إلى الأجيال الجديدة عبر الوسائط الحديثة.
ومن بين المؤشرات المهمة على نجاح هذه الرؤية، عودة الاهتمام بالإنتاج البرامجي والثقافي، وتطوير عدد من الشبكات الإذاعية والتليفزيونية، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الوطنية المختلفة، بما يسهم في تقديم محتوى هادف يجمع بين المهنية والرسالة المجتمعية، ويعكس أهداف إعلام الخدمة العامة في التثقيف والتنوير وبناء الوعي.
كما لم يعد مفهوم الخدمة العامة مقتصراً على البث التقليدي، بل امتد إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة، حيث تسعى الهيئة الوطنية للإعلام إلى تطوير أدواتها للوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتها وأساليبها المفضلة، مع الحفاظ على الثوابت المهنية والقيم الوطنية التي طالما ميزت الإعلام المصري.
إن قوة ماسبيرو لا تُقاس فقط بعدد القنوات أو ساعات البث أو حجم الأرشيف الإعلامي الذي يمتلكه، وإنما تُقاس أيضاً بقدرته على خدمة المجتمع، وإتاحة المعلومات للجميع، ودعم الثقافة الوطنية، وتعزيز الحوار المجتمعي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء.
وفي النهاية، تبقى الأرقام شاهداً على حجم هذا الصرح الإعلامي الكبير، لكن القيمة الحقيقية لماسبيرو تكمن في رسالته كإعلام خدمة عامة يعمل من أجل المواطن، ويسهم في بناء الوعي الوطني، ويحافظ على ذاكرة الأمة المصرية للأجيال القادمة. ومع استمرار خططا التطوير والتحديث، يواصل ماسبيرو أداء رسالته التاريخية بثقة، جامعاً بين عراقة الماضي ومتطلبات المستقبل.
ماسبيرو كان وسيظل رقماً مهماً في معادلة الإعلام الوطني، لأن رسالته تتجاوز البث والإرسال إلى صناعة الوعي وخدمة المجتمع.





