قمة “إيفيان” وإعادة ضبط بوصلة الشرق الأوسط: قراءة في مقال عبد الله حسن
بيان
في توقيت بالغ الحساسية، وبينما تلتقط الأنفاس العالمية بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي أنهت مواجهة عسكرية كادت تعصف بالسلم الدولي، جاء اللقاء المباشر على هامش قمة مجموعة السبع (G7) بمدينة إيفيان الفرنسية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، ليضع النقاط على الحروف فيما يخص الترتيبات الأمنية والاقتصادية القادمة في المنطقة.
وفي قراءة معمقة للمشهد، قدم الكاتب الصحفي الكبير عبد الله حسن، في مقال له نُشر عبر موقع “فيتو”، شرحا دقيقاً لأبعاد هذا اللقاء وما دار في الغرف المغلقة بين القاهرة وواشنطن، ملقياً الضوء على عدد من الركائز الأساسية التى تُعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة.
كواليس جنيف.. ترامب يغيب ويُرسل “فانس”
كشف عبد الله حسن في مقاله عن تفصيلة بروتوكولية ذات دلالة سياسية قاطعة؛ حيث أعلن الرئيس ترامب رسمياً عدم حضوره مراسم توقيع الاتفاق النهائي في جنيف يوم الجمعة المقبل، موكلاً المهمة لنائبه “دي فانس” ليوقع أمام رئيس البرلمان الإيراني قاليباف ووزير الخارجية عراقجي.
هذا الغياب الترامبي لا يعني تراجعاً، بل يعكس استراتيجية “البراجماتية المشروطة” أو سياسة (الجزرة والعصا)؛ فالرئيس الأمريكي أمن المكسب الاقتصادي العاجل المتمثل في هبوط أسعار النفط العالمية بمجرد فتح مضيق هرمز ملاحياً وبالمجان، وقدم لطهران “الجزرة المالية” المتمثلة في الإفراج عن 15 مليار دولار كدفعة أولى من الأموال المجمدة.
لكنه في الوقت ذاته، استخدم لقاءه بالرئيس السيسي ليوجه تحذيراً شديد اللهجة عبر منبر قمة السبع، مؤكداً (حسبما أورد المقال) أن “العصا العسكرية” ما زالت قائمة، وأن واشنطن قد تعود لقصف إيران فوراً إذا أخلت بتعهداتها التقنية بشأن التخصيب.
كبح الجموح الإسرائيلي وتفكيك حجة “حزب الله”
الملمح الأبرز في بنود الاتفاق التي استعرضها المقال، هو فرض الولايات المتحدة معادلة أمنية تُجبر إسرائيل على التوقف عن عدوانها في لبنان. إيفاد واشنطن لنائب الرئيس لتوقيع اتفاق يُلزم تل أبيب بوقف عملياتها بالضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني، يمثل إقراراً أمريكياً بضرورة إنهاء “السياسات التوسعية” وحروب الاستنزاف التي يقودها بنيامين نتنياهو، والتي لم تقف عند حدود الجبهة الشمالية، بل امتدت للاستيلاء على الأراضي في غزة والضفة الغربية.
العلاقات “الشخصية” كرافعة للدبلوماسية المصرية
وأبرز الكاتب في متن تحليله الكيمياء السياسية الخاصة والروابط التاريخية التي تجمع الرئيسين السيسي وترامب منذ لقائهما الأول إبان الحملة الانتخابية لترامب في فترته الأولى.
التهنئة المصرية لترامب بمناسبة مرور 250 عاماً على استقلال أمريكا، وإشادة ترامب الحارة بالرئيس السيسي وتأكيده على استمرار الاتصالات الوثيقة، تعكس استثمار القاهرة الذكي في “الدبلوماسية القائمة على الثقة الشخصية”، وهو ما يمنح الإدارة المصرية قدرة أعلى على النفاذ لمركز القرار في البيت الأبيض وتوجيهه نحو قضايا المنطقة.
سد النهضة أمن قومي.. وتفعيل “اتفاق السلام”
استراتيجياً، نجحت الإدارة المصرية في استثمار هذا اللقاء لانتزاع مكاسب مصرية وعربية مباشرة في ملفين وجوديين، الأول، هو ملف مياه النيل، حيث نجح الرئيس السيسي في تثبيت عقيدة الأمن القومي المصري بشأن مياه النيل أمام رأس الإدارة الأمريكية، وهو ما قابله ترامب بتعهد حاسم بأن إدارته ستولي هذا الملف “الأهمية القصوى لتسويته بشكل عادل”، مما يُعيد واشنطن كحكم وضامن دولي قوي في هذا الملف.
أما الملف الثانى فهو إحياء خطة السلام (مسار شرم الشيخ)، ويشير مقال عبد الله حسن إلى نقطة جوهرية، وهي أن التهدئة الأمريكية الإيرانية الحالية ستفتح الباب لترامب للبدء في تنفيذ “اتفاق السلام” الذي تم صياغته في قمة شرم الشيخ (13 أكتوبر الماضي) بمشاركة 20 دولة بدعوة من الرئيس السيسي؛ وهو المسار الذي عطلته المغامرات العسكرية الإسرائيلية، وتطمح القاهرة الآن لإعادة تفعيله كإطار شامل لحل القضية الفلسطينية ووقف نزيف الأراضي في غزة والضفة.
مصر لم تكن بعيدة
ويؤكد عبد الله حسن فى مقاله على أن مصر لم تكن بعيدة عن هندسة هذا التفاهم الدولي الكبير؛ فالقاهرة التي جمعت قادة العالم في شرم الشيخ قبيل الانفجار العسكري، هي ذاتها التي تتحرك اليوم في “إيفيان” الفرنسية لضمان ألا يأتي السلام الأمريكي-الإيراني على حساب الملفات العربية الوجودية.
ويشير المقال إلى المعادلة القادمة في الشرق الأوسط ـ وفق ما كشفه الكاتب ـ وإلى أن الاتفاقية الإطارية لن تقف عند حدود “هدنة تقنية” في جنيف، بل تؤسس لمرحلة جديدة من الضغط الأمريكي المباشر لكبح جماح حكومة نتنياهو، وإعادة قطار التسوية الشاملة إلى القضية الفلسطينية، مع مظلة حماية أمريكية للمصالح المائية المصرية.





