شبراوى خاطر يكتب: ليس جذب الانتباه بل الفهم والتفهّم والتفاهم.. التحدي الأهم في مجال التواصل

بيان

كثيرًا ما يخلط الناس بين الظهور الإعلامي والنجاح في مجال التواصل؛ فيرون العنوان الرئيسي، أو المقابلة، أو المقال، أو المنشور الفيروسي المنتشر “التريند”، أو نتائج السياسات، ويظنون أن هذا هو العمل المطلوب وكفى، لكن الأمر ليس كذلك. فالمهمة الحقيقية هي مساعدة الناس على فهم القضية قبل أن يحدد أبعادَها لهم الآخرون. ولمساعدة الناس على الفهم، لا بد للخبراء أن يفهموها أولاً، وأن يتفهموها بناءً على حقائق راسخة، ثم يساعدوا الجماهير على تحقيق التفاهم المتبادل؛ وهذا هو جوهر وظيفة “العلاقات العامة”.

غالباً ما تبدأ النقاشات الرئيسية حول السياسات العامة بشكل كامن قبل وقت طويل من معرفة معظم الناس بوجودها. فبحلول الوقت الذي تصل فيه قضية ما إلى عناوين الأخبار المختلفة، تكون القرارات قد اتُّخذت بالفعل، والسياسات قد بدأت تتشكل، والمجتمعات المتضررة تشعر بتداعياتها.

وعادةً ما ينضم الجمهور إلى الحوار لاحقاً، بعد أن تبدأ الافتراضات والروايات المتضاربة في ملء الفراغات التي خلفتها المعلومات غير المكتملة أو المشكوك في صحتها لتحقيق أهداف أجندات خاصة.

ولننظر إلى بعض الأمثلة مثل قانون الإيجارات الجديد، أو قانون الأسرة الجديد الذي يُعرف أيضاً بـ “قانون الأحوال الشخصية”، وغيرها من القوانين والسياسات العامة التي كان يدور الجدل حولها على مدى أشهر، أو لنقل سنوات، بشكل غير ظاهر إلى حد كبير بالنسبة للعديد من المصريين.

ولم تكن المشكلة في تلك الأمثلة تتركز في لفت الانتباه وإثارة الاهتمام، بل في ترسيخ قواعد الفهم في دوائر اتصالية متعاقبة تبدأ من المركز في اتجاه قطاعات أكبر من الجماهير، شأنها في ذلك شأن عملية “انتشار الأفكار” التي تتسلل داخل المجتمعات الإنسانية.

مثل هذه القضايا والأفكار التي تتشكل منها، ربما تستغرق سنوات طويلة في التغلغل المجتمعي حتى تصل إلى القاعدة العريضة من الناس، وسواء قوبلت بالموافقة أو الرفض، فإنها تخضع لنظريات “انتشار الأفكار”.

وإذا اخترنا أحد الأمثلة التي قمنا بطرحها آنفاً، مثل “قوانين الأحوال الشخصية”، فقد مرّ على مصر أكثر من مئة عام من تشريعات الأحوال الشخصية، منذ صدور أول قانون سنة 1920 حتى آخر تعديل أُدخل عليها سنة 2020، وصولاً إلى عام 2026، وهو ما يعني أن مصر صاحبة تاريخ عريق في هذا النوع من التشريعات التي ترتبط بأحوال المجتمع والسلطة وعملية تلاقح الأفكار بين أصحاب المصلحة وذوي الاهتمام المشترك.

وإذا كانت مصر قد عرفت “قوانين الأحوال الشخصية” مبكراً، وأولها ما عُرف بالقانون رقم 25 لسنة 1920، وأُسند البت فيها إلى ما كان يسمى وقتئذ «المحاكم الشرعية»، فقد جاء القانون مفتتحاً بعبارة «نحن سلطان مصر»، وبتوقيع: “فؤاد”. وهو القانون الذي صدر بناءً على ما اتفقت عليه اللجنة المؤلفة من حضرات أصحاب الفضيلة: شيخ الجامع الأزهر، وشيخ المالكية، ورئيس المحكمة العليا الشرعية، ومفتي الديار المصرية، ونائب السادة المالكية، وغيرهم من العلماء.

فأغلب الظن أن هذا القانون لم ينشأ ويُشرّع فجأة، بل أتى مخاضه بعد سنوات من الحوار والنقاش والطرح بين النخب، وبين الموافقة والرفض، والهمس واللمز، والضعف والشدة، حتى وصل إلى مرحلة الانبلاج والتطبيق الفعلي على المجتمع. وظلت الفكرة في حالة من النشوء والارتقاء يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، مراراً في أعوام: 1926، ثم 1929، ثم 1955، ثم 1958، ثم 1979، ثم 1985، ثم 1992، ثم 2000، ثم 2005، ثم 2006، ثم 2017، ثم 2020، وصولاً إلى حالات المناقشة الاجتماعية والقبول والرفض والتشنج والسجال الحاد بسبب التعديلات الأخيرة لعام 2026.

وغالبًا ما تباينت الآراء من فئة إلى أخرى، ومن جنس لآخر، وبين الخبراء ورجال القانون والإعلاميين وأعضاء المجالس التشريعية؛ فتطورت السياسات، وظهرت الطعون القضائية، وتغيرت التوجيهات. نظر البعض إلى القضية من منظور سياسات الأمن الاجتماعي والحفاظ على تماسك الأسرة وحقوق المرأة والعواقب التي تتعلق بالأبناء، بينما نظر إليها آخرون من منظور الحقوق المدنية المتكاملة والعادلة. لكن الواقع كان ولا يزال أكثر تعقيداً من أي من الروايتين، وهنا لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في تعزيز انتشار البلبلة واللغط قبل أن تعزز الفهم.

ومع تطور النقاش، غالبًا ما تشكلت التصورات العامة بناءً على عدد قليل من الحوادث المنفردة التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، أو رأي يستند إلى قصة درامية في فيلم سينمائي أو مسلسل يعالج في بعض تفاصيله قصة حقيقية من وجهة نظر الكاتب والمخرج؛ مثل فيلم “أريد حلاً” لفاتن حمامة ورشدي أباظة عام 1975، أو فيلم “أريد خلعاً” عام 2005، مما أثار انتباه صناع السياسات والصحفيين والجمهور نحو القضية، وساعد في طرح الأفكار على مستوى النقاش المجتمعي وصدور القرارات ولوائح التعديلات التنظيمية للقوانين السائدة التي ظلت على مدى أكثر من قرن في حالة حركة وشد وجذب مستمر.

ونحن هنا لا نقصد الخوض في تفاصيل تلك القوانين والتشريعات وإبداء الرأي في مراحل تطورها المختلفة، ولكن الغرض هو مناقشة مثال عن نشوء وتطور الأفكار التي تمس حياة الناس بشكل مباشر، وأن نسلط الضوء على أهم أهداف العلاقات العامة، ألا وهي: “تحقيق وتأسيس الفهم”، وليس مجرد إثارة الاهتمام ولفت الانتباه وإحداث الضجة وإطلاق “التريندات” بحسب وصف السوشيال ميديا.

ويؤكد خبراء الاتصال الإعلامي والتغيير الاجتماعي أنه نادرًا ما يتبلور الفهم العام تلقائيًا؛ إذ لا بدّ من وجود من يقدّم السياق، ويشرحه بشكل يفهمه كل قطاع جماهيري بصورة خاصة، ويجيب عن الأسئلة، ويصحّح المفاهيم الخاطئة، ويضمن إيصال صوت أصحاب الآراء. ومع ذلك، لا نضمن دائماً الموضوعية والحياد، وهنا تكمن معضلة خبراء العلاقات العامة في مواجهة المفهوم القائل بـ (أنه لا توجد حقيقة كاملة، بل نصف حقيقة).

وللوصول إلى الهدف، يجب الارتكاز إلى مبدأ تحقيق “الفهم المتبادل” بغض النظر عن القبول والرفض؛ فالناس لا يبحثون عن حججٍ دعائية، بل يحتاجون إلى حقائق، ووثائق، ومصادر موثوقة، وشروحات واضحة. وكلما ازدادت القضية تعقيداً، ازدادت أهمية المتخصصين في مجال الاتصالات ورجال الإعلام على حد سواء، علماً بأن هذا العمل قلما يكون جذاباً، ولا بد أن يحدث في دوائر مغلقة قبل أن تتصدر القضية العناوين الرئيسية.

ونعود للتأكيد بشكل موجز، مباشر وبسيط، بأن أهم تحدٍّ في مجال اتصالات العلاقات العامة ليس إقناع الناس بما يفكرون فيه، بل مساعدة عدد كافٍ منهم على فهم القضية فهماً جيداً يدفعه للتفكير فيها أصلاً، وبما يساعد في إعادة استنساخها ونشرها بين قطاعات أكبر.

طالع المزيد:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى