خبير أمني يفكك أبعاد الحملة العسكرية ضد شبكات الجريمة المنظمة وتعدين الذهب

.. ضربات استباقية في الجنوب

كتب: على طه

تأكيداً لما أعلنه المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، بأن “قوات حرس الحدود تواصل جهودها المكثفة على كافة الإتجاهات الإستراتيجية للدولة”، جاءت الحملة الأمنية والعسكرية الكبرى التي نفذها الجيش المصري في المنطقة الجنوبية لتمثل حلقة جديدة في منظومة حماية الأمن القومي.

وتستهدف هذه الحملة تصفية الشبكات الإجرامية المنظمة المرتبطة بتهريب السلاح، المخدرات، الهجرة غير الشرعية، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والتي أسفرت عن توقيف أكثر من 200 شخص، من بينهم 87 مصرياً و136 أجنبياً.

د. محمد عبد الواحد خبير الأمن القومى
د. محمد عبد الواحد خبير الأمن القومى

وفى هذا الصدد كشف الدكتور محمد عبد الواحد، الخبير في شؤون الأمن القومي، فى تصريحات إعلامية؛ طبيعة التهديد المركب والامتداد الإقليمي لهذه الشبكات، مؤكدا أن المنطقة الجنوبية تمثل تاريخياً بيئة ذات طبيعة أمنية واقتصادية شديدة التركيب

وأضاف أن المنطقة تضم ممرات تهريب قديمة نشطت منذ ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، واعتمدت قديماً على الوسائل البدائية والسيارات الدفع الرباعي وأجهزة الكشف التقليدية.

وقال الخبير الأمى: “تحولت هذه الأنشطة خلال العقد الماضي إلى “جريمة منظمة عابرة للحدود” ترتبط بشبكات إقليمية ودولية بالغة الخطورة، وتستغل الطبيعة القبلية الممتدة بين الحدود المصرية والسودانية لتمرير السلاح والمخدرات وتهريب البشر من إريتريا وإثيوبيا والسودان إلى الداخل المصري”.

ويعكس وجود 136 متهماً أجنبياً في قبضة الأمن مدى التغلغل الإقليمي لهذه العصابات، وتحول المنطقة إلى ملاذ آمن لعناصر الجريمة المنظمة.

 خطوط التماس مع الحرب السودانية

كما كشف الخبير الأمنى عن ارتباط وثيق بين نشاط هذه الشبكات وإطالة أمد الحرب الأهلية في السودان، موضحا أن هذه الشبكات تستغل حالة السيولة الأمنية والسياسية التي يمر بها السودان منذ عام 2018، وضعف سيطرة الدولة المركزية على الأطراف والهوامش لصالح الميليشيات وقوى الأمر الواقع.

وقال إن العصابات الإجرامية وتجمعات التعدين العشوائي تسيطر على نسبة تتراوح بين 50% إلى 80% من الذهب السوداني بعيداً عن السلطة الرسمية.

وأضاف أن الأرباح الطائلة الناتجة عن تهريب وغسيل أموال هذا الذهب تحولت إلى “مصدر تمويل رئيسي” لاستمرار العمليات العسكرية في السودان، وتُستخدم مباشرة في شراء السلاح، دفع رواتب المقاتلين، وتأمين مسارات الدعم، مما يعطل أي مقايضة سياسية لوقف القتال.

 جغرافية الممرات الوعرة وإستراتيجية “الضربات الاستباقية”

وأوضح عبد الواحد أن القاهرة تتحرك وفق رؤية عسكرية تدرك وعورة الجغرافيا وحجم العبء الملقى على عاتق القوات المسلحة، مشيرا إلى أن مصر تمتلك حدوداً شاسعة مع السودان تمتد لأكثر من 1000 كيلومتر، وتتميز بتضاريسها الجبلية والصحراوية القاسية جداً.

وتتركز ممرات التهريب الرئيسية في مسارين معلومين للأمن المصري: الأول هو “ممر العوينات” في مثلث الحدود المشتركة (المصرية-الليبية-السودانية)، والثاني هو الممر المحاذي لساحل البحر الأحمر والممتد من بورسودان وكسلا وصولاً إلى حلايب بالداخل المصري.

ونظراً لاستحالة إغلاق هذه المساحات جغرافياً بالكامل، يعتمد الأمن المصري على إستراتيجية “الضربات الاستباقية الموجعة” المعتمدة على اختراق هذه الجماعات استخباراتياً، وتتبع حركتها تكنولوجياً عبر الأقمار الصناعية والمسيرات لوأد التهديدات قبل وصولها خط الحدود.

وتأتي أهمية هذه الحملة لتخفيف الضغط الراهن؛ حيث تواجه مصر إشكالات أمنية متزامنة على حدودها الغربية (مع ليبيا)، والشرقية (جراء حرب غزة)، مما يشكل عبئاً شديداً على الاقتصاد والأمن القومي.

التنمية والأمن.. علاقة طردية

وفند الدكتور محمد عبد الواحد الادعاءات الإعلامية التي تحاول خلق أزمات سياسية بين مصر والجيش السوداني عبر استغلال هذه الحملات، مشدداً على أن العلاقات بين البلدين إستراتيجية، وأن أمن السودان هو امتداد مباشر للأمن القومي المصري.

وعن أثر الحملة على التنمية، أشار إلى أن التطهير العسكري للبؤر الإجرامية لا يتعارض مع التنمية بل يمثل الضمانة الأساسية لها؛ فالذهب والمعادن في هذه المناطق هي أموال الدولة وحق الأجيال القادمة، وحمايتها واجب اقتصادي.

وأكد أن فرض الاستقرار الأمني الصارم في مناطق مثل حلايب، شلاتين، وشرق العوينات، هو السبيل الوحيد لجذب المستثمر الأجنبي، والاستفادة من البنية التحتية القوية والطرق البرية الرائعة التي شيدتها مصر لربط القارة (مثل طريق كيب تاون)، والتي أوقفت الحرب في السودان بعض مشروعاتها المشتركة.

وأكد أن هذه الضربات تقطع الطريق أمام تحول تلك العصابات مستقبلاً إلى “ميليشيات مسلحة ذات مطامع سياسية” تهدد جغرافيا المنطقة بالكامل.

وانتهى الخبير الأمنى إلى التأكيد على أن هذه الحملة ستجبر شبكات التهريب على محاولة تغيير مساراتها الإقليمية، لكن اليقظة التكنولوجية والاستخباراتية المصرية ستظل بالمرصاد لتتبع أي مسار بديل وتصفية رؤوس وزعماء تلك العصابات فوراً.

شاهد فيديو المتحدث العسكرى:

صور:

طالع المزيد:

سقوط المتهم بقتل 8 منقبين عن الذهب في جبال سفاجا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى