د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: إصلاح التعليم الطبي في مصر
.. يبدأ بالتفرغ الكامل وتحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس
بيان
كثيرًا ما يدور الحديث عن تطوير المستشفيات وبناء المدن الطبية وشراء الأجهزة الحديثة، لكن التجارب العالمية تؤكد أن العنصر الحاسم في نجاح أي منظومة صحية ليس المبنى ولا الجهاز، وإنما الإنسان الذي يدير المنظومة ويقدم الخدمة.
لذلك فإن إصلاح التعليم الطبي والرعاية الصحية في مصر يجب أن يبدأ من نقطة أساسية طال تجاهلها، وهي تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم والأطباء الشباب، وربط ذلك بنظام التفرغ الكامل.
ويعاني أعضاء هيئة التدريس في كليات الطب والجامعات الحكومية المصرية من تدنٍ واضح في الرواتب والبدلات مقارنة بحجم المسؤوليات العلمية والمهنية الملقاة على عاتقهم.
فالمعيد والطبيب المقيم يبدأ حياته العملية بدخل محدود لا يتناسب مع سنوات الدراسة الطويلة، بينما يحصل الأستاذ الجامعي بعد عقود من العمل والخبرة على دخل لا يحقق له المستوى المعيشي الذي يضمن الاستقرار والتفرغ.
وما زالت بعض البدلات الواردة في اللوائح تحمل أرقامًا رمزية فقدت قيمتها الاقتصادية منذ عقود.
هذه الأوضاع لا تؤثر فقط على مستوى معيشة الطبيب أو الأستاذ الجامعي، بل تؤدي إلى نتيجة أخطر بكثير، وهي استحالة التفرغ الحقيقي للعمل الأكاديمي والطبي.
فعندما يصبح الراتب غير كافٍ لتوفير حياة كريمة، يضطر عضو هيئة التدريس إلى توزيع وقته بين الجامعة والعيادة الخاصة والمستشفيات الخاصة، فتتراجع تدريجيًا قدرته على التدريس والتدريب والإشراف العلمي والبحث الأكاديمي.
وقد أثبتت التجارب الدولية أن التفرغ الكامل هو حجر الأساس لأي نهضة طبية حقيقية. فبريطانيا قبل إنشاء نظامها الصحي القومي كانت تعاني من مشكلات عديدة في تقديم الخدمة الصحية، لكن تطبيق نظام يعتمد على التفرغ مع توفير رواتب مناسبة أحدث تحولًا جذريًا جعل النظام الصحي البريطاني نموذجًا عالميًا.
وفي فرنسا جاءت إصلاحات ما بعد عام 1968 لتربط بين تطوير التعليم الطبي والتفرغ الكامل لأعضاء هيئة التدريس، فشهدت الجامعات والمستشفيات الفرنسية طفرة علمية وبحثية كبيرة.
كما طبقت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نظمًا مشابهة ساهمت في رفع جودة الخدمات الصحية والتعليم الطبي.
إن الوظيفة الأساسية لعضو هيئة التدريس ليست إجراء العمليات الجراحية أو استقبال المرضى فقط، وإنما إعداد الأطباء الجدد وتعليمهم وتدريبهم والإشراف على أبحاثهم العلمية.
وهذه المهام تحتاج إلى وقت وجهد وتركيز لا يمكن توفيرها في ظل الانتقال المستمر بين عدة أماكن عمل بحثًا عن دخل إضافي. فكيف يمكن إعداد محاضرة علمية متميزة أو الإشراف الجاد على رسالة ماجستير أو دكتوراه أو تدريب الأطباء المقيمين وفق المعايير الحديثة في ظل هذا التشتت؟
كما يؤدي غياب التفرغ إلى تراجع البحث العلمي الحقيقي. فالبحث العلمي يحتاج إلى متابعة يومية وجمع بيانات وتحليل نتائج ومراجعة مستمرة، وهي أمور يصعب تحقيقها عندما يصبح همّ الطبيب أو الأستاذ الأساسي هو تعويض ضعف دخله من خلال أعمال إضافية. والنتيجة هي تراجع الإنتاج العلمي المؤثر، وضعف مساهمة الجامعات المصرية في المعرفة الطبية العالمية.
ومن أخطر النتائج أيضًا ظهور ما يعرف بتعارض المصالح. فحين يصبح دخل الطبيب من القطاع الخاص أكبر بكثير من دخله في المستشفى الجامعي أو الحكومي، تنشأ بصورة طبيعية حوافز تدفع بعض الأطباء إلى توجيه المرضى نحو الخدمات الخاصة أو تقليل اهتمامهم بالمؤسسات العامة.
وهنا لا تكون المشكلة أخلاقية بقدر ما هي نتيجة مباشرة لخلل هيكلي في تنظيم المهنة.
كذلك أدى غياب التفرغ إلى تشتت المسؤولية داخل الأقسام العلمية والمستشفيات التعليمية.
فبدلًا من بناء مدارس علمية قوية وتكوين أجيال جديدة من الباحثين، أصبحت المنافسة في كثير من الأحيان تدور حول تعظيم الدخل الشخصي والحصول على الألقاب الوظيفية.
ومع تزايد أعداد أعضاء هيئة التدريس بصورة تفوق الاحتياجات الفعلية في بعض التخصصات، تراجعت فرص التدريب العملي وتقلص نصيب كل طبيب من الخبرة الجراحية أو السريرية اللازمة للتطور المهني.
ولا يمكن إغفال أثر هذه الأوضاع في هجرة الكفاءات المصرية إلى الخارج، فالدول الخليجية والأوروبية والأمريكية لا تجذب الأطباء المصريين بسبب الرواتب فقط، بل لأنها توفر بيئة عمل مستقرة تسمح بالتفرغ والإبداع والتطور المهني.
وهكذا تخسر مصر استثمارات ضخمة أنفقتها على تعليم وتدريب أطبائها لصالح أنظمة صحية أخرى.
إن التفرغ الكامل لا يمكن أن ينجح بقرار إداري مجرد، بل يجب أن يسبقه أو يصاحبه تحسين حقيقي في الرواتب والدخول.
والمقصود بالراتب المناسب ليس تحقيق الثراء الفاحش، وإنما توفير حياة كريمة تسمح للطبيب أو الأستاذ الجامعي بالسكن المناسب والتعليم الجيد لأبنائه والرعاية الصحية اللائقة ومستوى معيشي مستقر دون الحاجة إلى الجري طوال اليوم بين عدة وظائف.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن تطبيق هذا النظام ليس مستحيلًا، فهناك حاجة إلى إعادة هيكلة منظومة التعيينات وفق الاحتياجات الفعلية، والحد من التوسع غير المدروس في أعداد أعضاء هيئة التدريس، وإعادة النظر في نظم الإعارات، والاستفادة المثلى من الموارد البشرية الموجودة بالفعل.
كما يمكن تنظيم العلاقة بين المستشفيات الحكومية والجامعية والقطاع الخاص بصورة أكثر كفاءة وعدالة.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن نجاح التعليم الطبي والرعاية الصحية يبدأ من الطبيب المتفرغ والأستاذ المتفرغ.
أما استمرار الوضع الحالي فلن يؤدي إلا إلى مزيد من هجرة الكفاءات، وتراجع جودة التعليم الطبي، وضعف الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
إن تحسين مرتبات أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم، وربط ذلك بنظام التفرغ الكامل والمحاسبة المهنية الصارمة، ليس مطلبًا فئويًا ولا رفاهية إدارية، بل هو شرط أساسي لأي مشروع جاد لإصلاح الصحة والتعليم في مصر، فالمباني يمكن إنشاؤها، والأجهزة يمكن شراؤها، أما الكفاءات البشرية فإذا فقدت أو هاجرت فلن يكون من السهل تعويضها.
ولهذا فإن الطريق الحقيقي لإصلاح المنظومة الصحية يبدأ بالاستثمار في الإنسان قبل الحجر، وفي الطبيب قبل المبنى، وفي التفرغ قبل أي شيء آخر.
طالع المزيد:
– د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: بين الواقع الصعب والتشهير المنهجي.. دفاع عن الأطباء في مصر





