د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: بين الواقع الصعب والتشهير المنهجي.. دفاع عن الأطباء في مصر

بيان

في السنوات الأخيرة، أصبح الطبيب المصري هدفاً سهلاً للهجوم اليومي على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام.

كل خطأ فردي حقيقي أو مُختلق يُعمَّم على المهنة بأكملها، وكأن الأطباء طبقة منفصلة عن المجتمع، لا يعانون مثل باقي المواطنين.

هذا التشهير الممنهج يُهدد مستقبل المنظومة الصحية كلها، وفي النهاية الضحية الأولى والأخيرة هو المواطن البسيط.
الأطباء في مصر يعملون في بيئة صعبة جداً، المستشفيات الحكومية تعاني من نقص الإمكانيات، والأجور المتدنية لا تتناسب مع سنوات الدراسة الطويلة والتضحيات المستمرة.

الأطباء حديثو التخرج يهاجرون بأعداد مخيفة، بحثاً عن ظروف عمل كريمة ورواتب تُجزي عن مجهودهم. المستشفيات الخاصة أسعارها مرتفعة، مما يضع المريض البسيط بين مطرقة نقص الخدمة الحكومية وسندان التكلفة الباهظة.
رغم كل هذا، يستمر معظم الأطباء في أداء واجبهم الإنساني، كثير منهم كانوا يقدمون نصائح طبية سريعة للحالات البسيطة عبر الهاتف لتوفير الوقت والمال على المريض، لكن اليوم أصبح هذا التصرف خطراً عليهم.

بعد موجة الشكاوى والتشهير، أصبح الطبيب مضطراً لطلب حضور المريض للعيادة حتى في أبسط الأمور مثل تعديل جرعة دواء أو وصف علاج بسيط، لحماية نفسه من بلاغ كيدي أو حملة تشهير.

وإذا طلب المريض كشفاً منزلياً، يضطر الطبيب في كثير من الأحيان للاعتذار وتوجيهه إلى شركات الرعاية الصحية تفادياً لأي شكوى محتملة.
الصحافة المصرية تسابق الزمن خلف العناوين المثيرة: “طبيب يقتل مريضاً”، “تحرش في غرفة الكشف”، وغيرها، قلّما يُذكر السياق أو يُنتظر التحقيق.

أما السوشيال ميديا فقد تحولت إلى مرتع لكل من يريد الشهرة أو تصفية حسابات أو حتى إشباع نزوات نفسية مريضة.

شخص يختلق قصة، يُروّجها، ويحصد ملايين المشاهدات، بينما يتحمل الطبيب والمهنة النتائج.
مثال واضح طبيبة في مستشفى الشاطبي تتذكر بعد ست سنوات واقعة مزعومة وتنشرها على السوشيال ميديا بدلاً من تقديم بلاغ للنيابة العامة.

كيف يعقل أن يحدث تحرش في “كشك النساء” حيث تكون النساء والممرضات والمساعدون والأطباء والمرافقون متواجدين بكثرة، وأصوات الولادة تملأ المكان؟ هذا يثير الشكوك حول النوايا.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.

للأسف، أصبحت المنصات الرقمية تُروّج الخبر قبل التبين، وتُدمّر سمعة الناس دون دليل.
النقابة مطالبة بأن تخرج من سباتها وتشكّل لجنة دائمة لمتابعة الأخبار الكاذبة، رفع دعاوى تشهير، وعدم الصلح فيها، التشهير ليس حرية تعبير.

كما أن وزارة الصحة والنيابة العامة هما الجهتان الرسميتان للشكاوى، لا “فيسبوك” و”تويتر”. والإعلام مطالب بالمهنية والتحقق قبل النشر، وإعطاء مساحة للرد.
الطب المصري كان ولا يزال من أفضل الأنظمة الطبية في المنطقة، ويُساهم في السياحة العلاجية. هناك أخطاء فردية كما في كل مهنة، لكن التعميم والتشهير المستمر يُدمّر المنظومة بأكملها.
الأطباء ليسوا أعداء المجتمع، هم جزء منه. يعانون من ضغوط نفسية وجسدية هائلة، ويواجهون الموت والمرض يومياً.

يكفي تدميراً.. يكفي تشهيراً.

آن الأوان لدعم الطبيب المصري حتى يستطيع أن يخدم مرضاه بكرامة وراحة بال.
المواطن البسيط هو الذي سيدفع الثمن الأكبر إذا استمر الوضع كما هو. فلنحمِ الطبيب لنحمي صحتنا جميعاً.

اقرأ أيضا للكاتب:

د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: تسريبات تفضح الجانب الآخر من سياسة نتنياهو

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى