د. ناجح إبراهيم يكتب: الدكتور عبدالرازق حسن أبو الجراحة.. كم علمتنا

بيان
• أيقونة متفردة في الطب والجراحة,نسيج وحده ،لم يتخل عن تلاميذه أو يبخل بعلمه علي أحد,دائم البسمة والتفاؤل حتى بعد أن أصبح قعيداً فتخيل حال أكبر جراح ورئيس جامعة طريح الفراش والبسمة تعلو وجهه النوراني الذي أكسبته لحيته وقاراً كبيراً،وما زال الذكاء يشع من عينيه كما كان في شبابه .
• مكتبه كان مفتوحاً للناس جميعاً,إذا لقيه أستاذ له حاجه في الطريق يوقف السيارة ويوقع له علي ظهر السيارة,شقته التي عاش فيها وهو مدرس جراحة ظلت كما هي حتى توفي فيها وانطلقت منها أيام صيامه وقراءته المتواصلة للقرآن.
• اعتزل الطب بعد رئاسته للجامعة ومرضه,وكان كشفه خمسون جنيهاً سنة 2011 في الوقت الذي كان أمثاله يصل كشفهم 700 جنيهاً,أجرى جراحات وهو عملاق للطب بمبالغ زهيدة حتى قال تلاميذه إنه كان سبباً في خفض أجور الجراحات في الصعيد,وبعده قفزت إلي السماء.
• الوحيد الذي كان يجري جراحات في التأمين الصحي بمبالغ زهيدة وهو قمة الطب ورئيس جامعة ويتبرع بمعظم أجره لإصلاح غرف العمليات وتطويرها بالمستشفي الحكومي.
• كان يدس الجنيهات تحت مخدة الفقراء في المستشفي,آه يا سيدي,كم تعلمنا منك الدرس تلو الآخر.
• كان أعظم جراح في الصعيد كله,كل أساتذة وأخصائيي الجراحة يدينون بالفضل له أو لتلاميذه في علم الجراحة.
• وفد من قلب الصعيد والوادي الجديد الذي يبعد عن أسيوط قرابة 300 كم إلي طب القصر العيني ليدرس الجراحة علي أساطينها ثم يدرسها مرة أخري في بريطانيا قبل أن تنشأ جامعة أسيوط.
• لحق د/عبد الرازق حسن بالجامعة مدرساً للجراحة,ظل يعلم أجيال الجراحين ويقوم بالجراحات المعقدة الغير معتادة,كانت المرتبات زهيدة, وكانت هناك جراحات في العيادة يجريها بعشرة جنيهات ،أجري جراحات معقدة لفقراء لم يخبروه بحالهم إلا بعد الجراحة وأنهم لا يملكون شيئاً،كان يقول للمريض وأهله”خلاص .. ليست هناك مشكلة ، روحوا بالسلامة”.
• كان رئيساً للجامعة منذ عام 1982 وأجرة الكشف في عيادته ثلاثون جنيهاً,أعلي أجر للكشف في عيادته كان خمسون جنيهاً عام 2011 بعدها تقاعد لمرضه.
• أسد الجراحة في الصعيد كله الذي وقف علي قدميه طويلاً في غرف العمليات وأجري آلاف الجراحات المعقدة أصبح قعيداً لا يستطيع الحركة من أجل قصور في عصب بسيط بالقدم اليمني بعد جراحة غير موفقة في العمود الفقري.
• ترقي من عميد لطب أسيوط لنائب رئيس جامعة إلي أصغر رئيس جامعة في تاريخ مصر فقد كان عمره وقتها 49 عاماً ,ومكث أطول فترة رئاسة في تاريخها أيضاً,11عاماً كاملة,كان فيها نظيف اليد,جاداً سريع القرار وإنساني بدرجة كبيرة يحب الجميع ويحبه الجميع ، يخدم الجميع،لم يمنع رفده ومعروفه عن أحد, لم يتكسب يوماً من وظيفته بل تسببت رئاسته للجامعة ومناصبه الأخرى في إهماله عيادته التي كانت تدر ربحاً أكبر من مرتبات المنصب الهزيلة وقتها.
• كان د/عبد الرازق يستوقفه بعض الأساتذة في الشارع فيركن سيارته ليوقع علي بعض الأوراق لهم علي”كبود السيارة”.
• حينما كان مدرساً للجراحة كان أجر الكشف عنده ثلاثة جنيهات في الستينات.
• كان بشهادة كل أستاذة الجراحة بأنواعها أعظم قمة للطب في الصعيد وله بصمة جميلة علي كل جراح متميز في الصعيد كله كما عبر عنه تلميذه عبقري جراحة المسالك أ.د/محمد شلبي والذي يردد دائماً”د/عبد الرازق له فضل علي كل جراح في الصعيد وهو الذي أدخل كل تخصصات الجراحات النادرة إلي جامعة أسيوط والصعيد كله ومنها جراحات التجميل والميكروسكوبية والوجه والفكين والمخ والأعصاب وغيرها”.
• في جنازته اجتمعت عدة أجيال من الجراحين بعضها لم يلق بعضاً منذ عشر سنوات,جمعها الوفاء والولاء والتقدير والحزن علي معلمهم العظيم.
• كان أحد أساتذة الجراحة يغار منه ويشكوه كثيراً بغير حق وكان قد مد إعارته في الخليج لسنوات طويلة دون سند قانوني وكان د/عبد الرازق وقتها عميداً لكلية الطب وكان بإمكانه وقتها أن يفصله فأبت عليه شهامته ونخوته أن يفعل ذلك بل أعاده للكلية مرحباً به مترفعا عن الدنايا,فقد كان شهماً طوال عمره.
• هو أول من أنشأ التأمين الصحي لأساتذة الجامعة في جامعة أسيوط عقب رئاسته للجامعة حينما رأى أن بعضهم يراق ماء وجهه في العلاج والدواء وخاصة بعد خروجه للمعاش وحاجته لجراحات متطورة,ثم حذت كل الجامعات حذوه.
• كان مكتبه مفتوحاً للناس جميعاً في كل المناصب التي شغلها.
• مكث د/عبد الرازق قعيداً عدة سنوات,أسد الجراحة في الصعيد كان لا يقوي علي الوقوف علي قدميه بعد أن وقف آلاف الساعات وأجرى آلاف الجراحات المعقدة,لم ييأس أو يحبط,كان دائم الابتسامة,كان بشوشاً,متفائلاً حتى في أحلك الظروف،كان أسطورة في الصبر والرضا مثلما كان أسطورة في الجراحة .
• قبل وفاته بفترة قصيرة قال لتلميذه أ.د/إيهاب الجنايني”محنة إعاقتي عن الحركة منحتني فضيلتين التفرغ للذكر وقراءة القرآن والاستغفار وأكرمتني بثواب الصبر والرضا عما قسمه الله لي”.
• لك أن تتخيل أعظم جراح وأهم رئيس جامعة لا يستطيع الحراك ،والله لو حدث لغيره لملأ الدنيا حسرة وندماً واكتئاباً ولكن أنيَّ له أن يتسلل إلي قلب هذا العملاق المؤمن الذي كان قلبه يشع بالنور والإيمان.
• كان أ.د/شلبي وغيره يرددون”طالما د/عبدالرازق موجوداً في المستشفي فكل الجراحين مطمئنين لأنه سينقذهم من أي موقف محرج في أي جراحة حرجة”.
• كان أ/قطب المناديلي مديراً لمكتبه وكنا نظن أنه يحبه لمنصبه ويتقرب إليه تزلفاَ فإذا بالمناديلي يعلم الجميع درساً في الوفاء وفي حسن الظن معاً,إذ أنه لم يتركه يوماً ولم يتخل عنه أبداً سواءً بعد خروجه للمعاش أو عدم قدرته علي الحركة أو حتى الممات يصومان سوياً,وباستمرار ويفطران سوياً ،صداقة نادرة تستحق أن تسطر في كتب.
• لم يعمل يوماً بنظرية”شيلني وشيلك”التي يعمل بها بعض الأطباء مع المعامل ومراكز الأشعة.
• لم يكون ثروة من الجراحة رغم أنه كان علي قمتها في الوقت الذي كون فيه تلاميذه ثروات طائلة.
• عاش بسيطاً ومات بسيطاً,شقته لم تتغير,هي التي عاش فيها كمدرس للجراحة وعاش فيها كرئيس للجامعة ومات فيها,منتهي البساطة والسلام النفسي وطمأنينة الروح .
• كان يعتبر الطب رسالة وليست مهنة, هو رئيس الجامعة الوحيد الذي يجري جراحات بكل درجاتها في التأمين الصحي ليتقاضي ملاليم ليتبرع بها للمستشفي ،كان يردد”يا بني أحنا جايين هنا كرسالة”.
• كان الجميع يقول عنه”لم يتخل عن أحد أبداً قصده في معروف أو رد مظلمة أو خدمة”.
• كنا نحبه كثيراً وحينما دخل الحزب الوطني لم يعجبنا ذلك ونحن شباب ننظر للحياة نظرة أحادية ,كيف يلوث ثوبه الأبيض ، الطبيب أعلي من السياسي وأنصع منه وأنقي لساناً وثوباً منه ,كنا نكره السلطة وكل ما يمت لها بصلة دون سبب أو مبرر ظاهر,كنا في شبابنا نبحث دوماً عن سلبيات السلطة وحزبها,ونتغاضى عن ايجابياتها،رغم أن عهد السادات كان عهداً جميلاً مشحوناً بالإنجازات الكبرى .
• مشكلة الشباب دوماً,إنه يقيم السلطة بالمثاليات النادرة التي قد يصعب تحقيقها,لا يفرق بين المتاح والمستحيل في زمنه,لا يدرك أن عمر بن الخطاب لن يعود من جديد لعلة بسيطة أن رعية عمر نفسها غير موجودة،ضيغنا الممكن في اللهث وراء المستحيل.
• لم نواجه أستاذنا المحبوب يوماً بغضبنا لأننا في الطب نؤمن بنظرية”المعلم والصبي”والصبي لا يرفع عينه في المعلم,لم نسيء يوماً إليه,فجيلنا وقتها لم يكن يعرف ردح وشتائم مواقع التواصل الاجتماعي الآن.
• كنا نقول:لقد بلغ القمة في الطب والعلم وخدمة المرضى وحب الناس فما حاجته للاقتراب من السلطة ومناصبها التي ستذهب بهاءه؟نعطي لأنفسنا حرية الاختيارات دون أن نعطي لأستاذنا حريته السياسية والفكرية.
• ما بالنا نجعل أنفسنا أوصياء علي الناس حتى علي أساتذتنا وننقص قدرهم في قلوبنا لمجرد اختياراتهم الحرة التي لم يصلوا إليها بالتزلف، فلعلهم اختيروا لذلك فآثروا القبول,ولعل الحزب لو اختار دوماً مثله لما وصل حاله إلي ما وصل إليه بعد ذلك حينما انحدر مستواه ومستوى قياداته .
• تزوج أستاذنا الجليل من زوجة أيرلندية مسيحية قدم لها أعظم نموذج للمسلم,يوصلها كل أحد إلي الكنيسة ينتظرها بنفسه,يشرح بنفسه لابنه رءوف في الابتدائية وهو نائب رئيس جامعة.
• كنا في شبابنا نقول:ألم يكن أولي به أن يتزوج مسلمة مصرية,كانت معظم أفكارنا في شبابنا سطحية وأحادية متعجلة ،لم نتعمق في الدين ولا في الحياة، ولا نرى في الحياة سوى لونين أثنين,وتحديد الأبيض من الأسود هو من اختصاصنا فقط.
• دارت الأيام دورتها,عركتنا الحياة وعصرتنا,علمت أن زوجته الفاضلة أبت أن تعود إلي أسرتها في أيرلندا ولسان حالها يقول:المحيا محياكم والممات مماتكم ،وأرضكم هي أرضي ،ودينكم هي ديني,عن قناعة دون إجبار أو إكراه أو ضغوط.
• آه.. ما أقوى الحكمة والرفق والأناة والرحمة والعفو,إنها أقوى من كل أسلحة البطش والعنف,أسلمت السيدة الكريمة طواعية ودفنت في أسيوط,ولحق بها بعد سنوات.
• وما زال د/عبدالرازق يعلمنا الحكمة والعقل الرشيد ،لم نفهم أن زواجه هذا كان انفتاحاً من الإسلام والعروبة علي أمم أخرى,ليحقق قانون الإسلام في التعارف والتلاقي والتلاقح بين الأمم,الإسلام الذي سمح بلقاء أمشاج زوجين من دينين مختلفين والتقاء رأسيهما علي وسادة واحدة,ما أعظم فهمك يا سيدي,وما أشد تصورنا ونحن شباب.
• وما زال يعلمنا أستاذنا/عبدالرازق ,كان أ/قطب المناديلي مديراً لمكتب د/عبدالرازق,كانت علاقتهما غير عادية من الود والتجانس,كان معظم المتدينون في الجامعة يظنون أن المناديلي عميلاً للأمن,والبعض يراه منافقاً لا محباً للدكتور/عبدالرازق.
• كان أ/قطب المناديلي عبقرياً إدارياً لا مثيل له يحل أي مشكلة في الجامعة,ظل هذا الاعتقاد سارياً حتى خرج الاثنان للمعاش,فإذا بعلاقتهما تتوثق أكثر ولا يفارق أحدهما الآخر,ذهبا للعمرة معاً 20 مرة فضلاً عن مرات الحج,يصومان الاثنين والخميس,فلما أصبح د/عبدالرازق قعيداً ولا يملك من أسباب الجاه شيئاً لم يتركه المناديلي يوماً واحداً,يرسل له من ينظف شقته ويجهز الطعام في بيته ليأكلان سوياً,ما هذا الوفاء النادر فلم يمر يوم دون أن يلتقيا .
• لم نكن نتصور أن يعلمنا بل يصفعنا المناديلي بمثل هذا الدرس,أي ذنب فعلناه ونحن نشك في إخلاص هذا الصديق لصديقه.
• إن قصة د/عبدالرازق والمناديلي وحدها تحتاج إلي مجلد ضخم,ما أقبح الظن السيئ بالناس,ورؤيتهم من أظلم الزوايا التي لا تعكس سوى قصر نظرنا ونحن شباب.
• كان يردد”قد تكون الأموال الكثيرة أو أرصدة البنوك عبئاً علي الإنسان وليست ميزة له”.
• رحم الله هذا العملاق الطبي والإنساني والإيماني العظيم الذي أتعب من بعده,سلام عليه وعلي كل الذين يضمدون جراحات الناس المادية والمعنوية.
متعاقبة من الجراحين فهو الأب الروحي للطب والجراحة في الصعيد كله.
• أيقونة متفردة في الطب والجراحة,نسيج وحده ،لم يتخل عن تلاميذه أو يبخل بعلمه علي أحد,دائم البسمة والتفاؤل حتى بعد أن أصبح قعيداً فتخيل حال أكبر جراح ورئيس جامعة طريح الفراش والبسمة تعلو وجهه النوراني الذي أكسبته لحيته وقاراً كبيراً،وما زال الذكاء يشع من عينيه كما كان في شبابه .
• مكتبه كان مفتوحاً للناس جميعاً,إذا لقيه أستاذ له حاجه في الطريق يوقف السيارة ويوقع له علي ظهر السيارة,شقته التي عاش فيها وهو مدرس جراحة ظلت كما هي حتى توفي فيها وانطلقت منها أيام صيامه وقراءته المتواصلة للقرآن.
• اعتزل الطب بعد رئاسته للجامعة ومرضه,وكان كشفه خمسون جنيهاً سنة 2011 في الوقت الذي كان أمثاله يصل كشفهم 700 جنيهاً,أجرى جراحات وهو عملاق للطب بمبالغ زهيدة حتى قال تلاميذه إنه كان سبباً في خفض أجور الجراحات في الصعيد,وبعده قفزت إلي السماء.
• الوحيد الذي كان يجري جراحات في التأمين الصحي بمبالغ زهيدة وهو قمة الطب ورئيس جامعة ويتبرع بمعظم أجره لإصلاح غرف العمليات وتطويرها بالمستشفي الحكومي.
• كان يدس الجنيهات تحت مخدة الفقراء في المستشفي,آه يا سيدي,كم تعلمنا منك الدرس تلو الآخر.
• كان أعظم جراح في الصعيد كله,كل أساتذة وأخصائيي الجراحة يدينون بالفضل له أو لتلاميذه في علم الجراحة.
• وفد من قلب الصعيد والوادي الجديد الذي يبعد عن أسيوط قرابة 300 كم إلي طب القصر العيني ليدرس الجراحة علي أساطينها ثم يدرسها مرة أخري في بريطانيا قبل أن تنشأ جامعة أسيوط.
• لحق د/عبد الرازق حسن بالجامعة مدرساً للجراحة,ظل يعلم أجيال الجراحين ويقوم بالجراحات المعقدة الغير معتادة,كانت المرتبات زهيدة, وكانت هناك جراحات في العيادة يجريها بعشرة جنيهات ،أجري جراحات معقدة لفقراء لم يخبروه بحالهم إلا بعد الجراحة وأنهم لا يملكون شيئاً،كان يقول للمريض وأهله”خلاص .. ليست هناك مشكلة ، روحوا بالسلامة”.
• كان رئيساً للجامعة منذ عام 1982 وأجرة الكشف في عيادته ثلاثون جنيهاً,أعلي أجر للكشف في عيادته كان خمسون جنيهاً عام 2011 بعدها تقاعد لمرضه.
• أسد الجراحة في الصعيد كله الذي وقف علي قدميه طويلاً في غرف العمليات وأجري آلاف الجراحات المعقدة أصبح قعيداً لا يستطيع الحركة من أجل قصور في عصب بسيط بالقدم اليمني بعد جراحة غير موفقة في العمود الفقري.
• ترقي من عميد لطب أسيوط لنائب رئيس جامعة إلي أصغر رئيس جامعة في تاريخ مصر فقد كان عمره وقتها 49 عاماً ,ومكث أطول فترة رئاسة في تاريخها أيضاً,11عاماً كاملة,كان فيها نظيف اليد,جاداً سريع القرار وإنساني بدرجة كبيرة يحب الجميع ويحبه الجميع ، يخدم الجميع،لم يمنع رفده ومعروفه عن أحد, لم يتكسب يوماً من وظيفته بل تسببت رئاسته للجامعة ومناصبه الأخرى في إهماله عيادته التي كانت تدر ربحاً أكبر من مرتبات المنصب الهزيلة وقتها.
• كان د/عبد الرازق يستوقفه بعض الأساتذة في الشارع فيركن سيارته ليوقع علي بعض الأوراق لهم علي”كبود السيارة”.
• حينما كان مدرساً للجراحة كان أجر الكشف عنده ثلاثة جنيهات في الستينات.
• كان بشهادة كل أستاذة الجراحة بأنواعها أعظم قمة للطب في الصعيد وله بصمة جميلة علي كل جراح متميز في الصعيد كله كما عبر عنه تلميذه عبقري جراحة المسالك أ.د/محمد شلبي والذي يردد دائماً”د/عبد الرازق له فضل علي كل جراح في الصعيد وهو الذي أدخل كل تخصصات الجراحات النادرة إلي جامعة أسيوط والصعيد كله ومنها جراحات التجميل والميكروسكوبية والوجه والفكين والمخ والأعصاب وغيرها”.
• في جنازته اجتمعت عدة أجيال من الجراحين بعضها لم يلق بعضاً منذ عشر سنوات,جمعها الوفاء والولاء والتقدير والحزن علي معلمهم العظيم.
• كان أحد أساتذة الجراحة يغار منه ويشكوه كثيراً بغير حق وكان قد مد إعارته في الخليج لسنوات طويلة دون سند قانوني وكان د/عبد الرازق وقتها عميداً لكلية الطب وكان بإمكانه وقتها أن يفصله فأبت عليه شهامته ونخوته أن يفعل ذلك بل أعاده للكلية مرحباً به مترفعا عن الدنايا,فقد كان شهماً طوال عمره.
• هو أول من أنشأ التأمين الصحي لأساتذة الجامعة في جامعة أسيوط عقب رئاسته للجامعة حينما رأى أن بعضهم يراق ماء وجهه في العلاج والدواء وخاصة بعد خروجه للمعاش وحاجته لجراحات متطورة,ثم حذت كل الجامعات حذوه.
• كان مكتبه مفتوحاً للناس جميعاً في كل المناصب التي شغلها.
• مكث د/عبد الرازق قعيداً عدة سنوات,أسد الجراحة في الصعيد كان لا يقوي علي الوقوف علي قدميه بعد أن وقف آلاف الساعات وأجرى آلاف الجراحات المعقدة,لم ييأس أو يحبط,كان دائم الابتسامة,كان بشوشاً,متفائلاً حتى في أحلك الظروف،كان أسطورة في الصبر والرضا مثلما كان أسطورة في الجراحة .
• قبل وفاته بفترة قصيرة قال لتلميذه أ.د/إيهاب الجنايني”محنة إعاقتي عن الحركة منحتني فضيلتين التفرغ للذكر وقراءة القرآن والاستغفار وأكرمتني بثواب الصبر والرضا عما قسمه الله لي”.
• لك أن تتخيل أعظم جراح وأهم رئيس جامعة لا يستطيع الحراك ،والله لو حدث لغيره لملأ الدنيا حسرة وندماً واكتئاباً ولكن أنيَّ له أن يتسلل إلي قلب هذا العملاق المؤمن الذي كان قلبه يشع بالنور والإيمان.
• كان أ.د/شلبي وغيره يرددون”طالما د/عبدالرازق موجوداً في المستشفي فكل الجراحين مطمئنين لأنه سينقذهم من أي موقف محرج في أي جراحة حرجة”.
• كان أ/قطب المناديلي مديراً لمكتبه وكنا نظن أنه يحبه لمنصبه ويتقرب إليه تزلفاَ فإذا بالمناديلي يعلم الجميع درساً في الوفاء وفي حسن الظن معاً,إذ أنه لم يتركه يوماً ولم يتخل عنه أبداً سواءً بعد خروجه للمعاش أو عدم قدرته علي الحركة أو حتى الممات يصومان سوياً,وباستمرار ويفطران سوياً ،صداقة نادرة تستحق أن تسطر في كتب.
• لم يعمل يوماً بنظرية”شيلني وشيلك”التي يعمل بها بعض الأطباء مع المعامل ومراكز الأشعة.
• لم يكون ثروة من الجراحة رغم أنه كان علي قمتها في الوقت الذي كون فيه تلاميذه ثروات طائلة.
• عاش بسيطاً ومات بسيطاً,شقته لم تتغير,هي التي عاش فيها كمدرس للجراحة وعاش فيها كرئيس للجامعة ومات فيها,منتهي البساطة والسلام النفسي وطمأنينة الروح .
• كان يعتبر الطب رسالة وليست مهنة, هو رئيس الجامعة الوحيد الذي يجري جراحات بكل درجاتها في التأمين الصحي ليتقاضي ملاليم ليتبرع بها للمستشفي ،كان يردد”يا بني أحنا جايين هنا كرسالة”.
• كان الجميع يقول عنه”لم يتخل عن أحد أبداً قصده في معروف أو رد مظلمة أو خدمة”.
• كنا نحبه كثيراً وحينما دخل الحزب الوطني لم يعجبنا ذلك ونحن شباب ننظر للحياة نظرة أحادية ,كيف يلوث ثوبه الأبيض ، الطبيب أعلي من السياسي وأنصع منه وأنقي لساناً وثوباً منه ,كنا نكره السلطة وكل ما يمت لها بصلة دون سبب أو مبرر ظاهر,كنا في شبابنا نبحث دوماً عن سلبيات السلطة وحزبها,ونتغاضى عن ايجابياتها،رغم أن عهد السادات كان عهداً جميلاً مشحوناً بالإنجازات الكبرى .
• مشكلة الشباب دوماً,إنه يقيم السلطة بالمثاليات النادرة التي قد يصعب تحقيقها,لا يفرق بين المتاح والمستحيل في زمنه,لا يدرك أن عمر بن الخطاب لن يعود من جديد لعلة بسيطة أن رعية عمر نفسها غير موجودة،ضيغنا الممكن في اللهث وراء المستحيل.
• لم نواجه أستاذنا المحبوب يوماً بغضبنا لأننا في الطب نؤمن بنظرية”المعلم والصبي”والصبي لا يرفع عينه في المعلم,لم نسيء يوماً إليه,فجيلنا وقتها لم يكن يعرف ردح وشتائم مواقع التواصل الاجتماعي الآن.
• كنا نقول:لقد بلغ القمة في الطب والعلم وخدمة المرضى وحب الناس فما حاجته للاقتراب من السلطة ومناصبها التي ستذهب بهاءه؟نعطي لأنفسنا حرية الاختيارات دون أن نعطي لأستاذنا حريته السياسية والفكرية.
• ما بالنا نجعل أنفسنا أوصياء علي الناس حتى علي أساتذتنا وننقص قدرهم في قلوبنا لمجرد اختياراتهم الحرة التي لم يصلوا إليها بالتزلف، فلعلهم اختيروا لذلك فآثروا القبول,ولعل الحزب لو اختار دوماً مثله لما وصل حاله إلي ما وصل إليه بعد ذلك حينما انحدر مستواه ومستوى قياداته .
• تزوج أستاذنا الجليل من زوجة أيرلندية مسيحية قدم لها أعظم نموذج للمسلم,يوصلها كل أحد إلي الكنيسة ينتظرها بنفسه,يشرح بنفسه لابنه رءوف في الابتدائية وهو نائب رئيس جامعة.
• كنا في شبابنا نقول:ألم يكن أولي به أن يتزوج مسلمة مصرية,كانت معظم أفكارنا في شبابنا سطحية وأحادية متعجلة ،لم نتعمق في الدين ولا في الحياة، ولا نرى في الحياة سوى لونين أثنين,وتحديد الأبيض من الأسود هو من اختصاصنا فقط.
• دارت الأيام دورتها,عركتنا الحياة وعصرتنا,علمت أن زوجته الفاضلة أبت أن تعود إلي أسرتها في أيرلندا ولسان حالها يقول:المحيا محياكم والممات مماتكم ،وأرضكم هي أرضي ،ودينكم هي ديني,عن قناعة دون إجبار أو إكراه أو ضغوط.
• آه.. ما أقوى الحكمة والرفق والأناة والرحمة والعفو,إنها أقوى من كل أسلحة البطش والعنف,أسلمت السيدة الكريمة طواعية ودفنت في أسيوط,ولحق بها بعد سنوات.
• وما زال د/عبدالرازق يعلمنا الحكمة والعقل الرشيد ،لم نفهم أن زواجه هذا كان انفتاحاً من الإسلام والعروبة علي أمم أخرى,ليحقق قانون الإسلام في التعارف والتلاقي والتلاقح بين الأمم,الإسلام الذي سمح بلقاء أمشاج زوجين من دينين مختلفين والتقاء رأسيهما علي وسادة واحدة,ما أعظم فهمك يا سيدي,وما أشد تصورنا ونحن شباب.
• وما زال يعلمنا أستاذنا/عبدالرازق ,كان أ/قطب المناديلي مديراً لمكتب د/عبدالرازق,كانت علاقتهما غير عادية من الود والتجانس,كان معظم المتدينون في الجامعة يظنون أن المناديلي عميلاً للأمن,والبعض يراه منافقاً لا محباً للدكتور/عبدالرازق.
• كان أ/قطب المناديلي عبقرياً إدارياً لا مثيل له يحل أي مشكلة في الجامعة,ظل هذا الاعتقاد سارياً حتى خرج الاثنان للمعاش,فإذا بعلاقتهما تتوثق أكثر ولا يفارق أحدهما الآخر,ذهبا للعمرة معاً 20 مرة فضلاً عن مرات الحج,يصومان الاثنين والخميس,فلما أصبح د/عبدالرازق قعيداً ولا يملك من أسباب الجاه شيئاً لم يتركه المناديلي يوماً واحداً,يرسل له من ينظف شقته ويجهز الطعام في بيته ليأكلان سوياً,ما هذا الوفاء النادر فلم يمر يوم دون أن يلتقيا .
• لم نكن نتصور أن يعلمنا بل يصفعنا المناديلي بمثل هذا الدرس,أي ذنب فعلناه ونحن نشك في إخلاص هذا الصديق لصديقه.
• إن قصة د/عبدالرازق والمناديلي وحدها تحتاج إلي مجلد ضخم,ما أقبح الظن السيئ بالناس,ورؤيتهم من أظلم الزوايا التي لا تعكس سوى قصر نظرنا ونحن شباب.
• كان يردد”قد تكون الأموال الكثيرة أو أرصدة البنوك عبئاً علي الإنسان وليست ميزة له”.
• رحم الله هذا العملاق الطبي والإنساني والإيماني العظيم الذي أتعب من بعده,سلام عليه وعلي كل الذين يضمدون جراحات الناس المادية والمعنوية.
متعاقبة من الجراحين فهو الأب الروحي للطب والجراحة في الصعيد كله.

طالع المزيد:

د. ناجح إبراهيم يكتب: د. عمرو حلمي .. تحية وسلاماً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى