شبراوى خاطر يكتب: نظرة مستدامة لتفاعل الأجيال مابين الحوار والصراع

بيان

على مر التاريخ، يرزت مجموعة “ليست عشولئية” من الناس تحمل ما يمكن وصفه بقدرات خاصة، رغم انهم كانوا لا يدركون ذلك، وهؤلاء الأشخاص لم ينقذوا العالم – أي عالم – فحسب، بل قاموا بتغييره إلى الأبد.
نراهم بعين الماضي، بعين ترى القصة ككتلة واحدة بكافة أبعادها وقد تحولوا من أشخاص عاديين إلى إستثنائيين، وهذا التحول لم يحدث بين عشية وضحاها، ولكن كانت ورائهم قصة.

وليست مجرد قصة وانتهت، بل في الأغلب كانت قصة ملحمية..
ولكل قصة ملحمية بداية، والبداية وإن كانت تبدو متواضعة – في وقتها ـ ولكنها كانت نقطة فاصلة في تغيير أقدار البشرية، دائماً ما تبدأ في التبلور والتطور والتعاظم ككرة من الثلج تنساب في حركة لا تتوقف وحتى لو توقفت لبعض الوقت بسبب عارض طارئ، أو كاستراحة محارب، لكنها سريعاً ما تنفك وتتخلص من العائق ولا تستسلم لمنطقة راحتها لتظل قابعة تموت في مكانها كالأشجار، إنها تستمر في الحركة في الزمن تستلهم منه الفرص وتتماهى وتتوحد مع قدرها في استدامة من الأخذ والعطاء.
وهذا يجعلنا نتساءل ببساطة: من أين يأتي هذا الامر؟ مع أننا نعلم بشئ من اليقين بأن أبسط الأسئلة ليس لها جواب أبداً، ونواصل بعناد للتساؤل: لماذا هؤلاء بالذات؟ ما هي دوافعهم، وماذا كانت أحلامهم؟ وربما كان من الأسهل درءاً للعنت تجنب البحث في هذا الأمر. وقد يرى البعض بأنه ليست هناك ضرورة وأننا لسنا بحاجة إلى ذلك.

هذه تساؤلات عن إستثنايين الأجيال السابقة. ولكن هل تنطبق نفس الأسئلة على الأجيال الحالية ـ فبنظرة خاطفة إلى الخريطة الديموغرافية المصرية “اليوم” نجد أن المزيج الجيلي الكائن الآن يتشكل من ستة أجيال متشابكة اجتماعياً وقد لا تكون متماسكة بالشكل المأمول.

وحسب ما يذكره الخبراء في العلوم الاجتماعية ورجالات الاقتصاد والإدارة والسياسة، وكما وصفهم الأستاذ إسلام جاد الله مدير التحرير بمجلة “الديموقراطية” الفصلية التي تنشرها مؤسسة الأهرام لدينا جيل الصامتين (Silent Generation) 1928-1945: وُلد هذا الجيل خلال فترة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين ، وعاصر الحرب العالمية الثانية وتأثر بشدة بالظروف الاقتصادية القاسية والاضطرابات السياسية والاجتماعية، ونشأوا في زمن ما قبل ثورة التكنولوجيا واعتمدوا بشكل كبير على العمل اليدوي والوسائل التقليدية ويُعرفون بالتزامهم بالقيم الأخلاقية والعمل الجاد والانضباط، ويميلون إلى المحافظة والابتعاد عن المخاطرة أو التمرد على الأعراف الاجتماعية، ويُعتبر هذا الجيل من أكثر الأجيال التزاماً واستقراراً، وأُطلق عليهم “الجيل الصامت” لأنهم كانوا يميلون إلى تجنب الخوض في الاحتجاجات أو التعبير الصاخب عن آرائهم مقارنة بالأجيال التي جاءت بعدهم.

وعُرفوا بأنهم “صامتون” في مواجهة الأزمات واختاروا الطرق التقليدية لتحقيق التقدم الشخصي والاجتماعي. وهم الآن يشكلون نسبة .04% من السكان، يبدون كقشرة خارجية للمجتمع تتبخر شيئاً فشيئاً، وقد يراهم البعض من الأجيال الجديدة مثل البثور على جلد المجتمع السكاني سرعان ما يتساقطوا بفعل عوامل الزمن. والسؤال هنا كيف يمكننا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حكمة كامنة لديهم، كيف نتحصل على ما لايزال مندس داخل عقولهم وذاكرتهم.

ولدينا الجيل الذي يلي جيل الصامتين، وهو جيل الطفرة السكانية (Baby Boomers) 1946-1964: والذي يمثل ما يقرب 6.6% من عدد السكان الحالي حسب الخريطة الديموغرافية لمصر، ونشأ جيل الطفرة السكانية في فترة الازدهار الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، وغالباً ما يُعتبرون الجيل الأكثر تأثيراً في الثقافة والاقتصاد، وكان لهذا الجيل تأثير هائل على الاقتصاد العالمي، حيث كانوا الجيل الأكثر إنفاقاً، وساهموا في ظهور النزعة الاستهلاكية بفضل عاداتهم الشرائية والازدهار الاقتصادي، وعاشوا بداية الثورة التكنولوجية، مثل التليفزيون، والهواتف الأرضية، وأول الحواسيب، وازداد الالتحاق بالجامعات والتعليم العالي خلال فترة شبابهم، ولعبوا دوراً مهماً في التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، لقد وُلدوا خلال فترة تاريخية مميزة أثرت على مختلف جوانب الحياة البشرية من الاقتصاد إلى الثقافى والسياسة.

ويلي هذا الجيل ما يسمى بجيل إكس (Generation X) 1965-1980: يُعرفون ب”الجيل الضائع” ويشكلون نسبة 13.8% من سكان مصر، وُلدوا خلال فترة انتقالية بين عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية وبدايات الثورة التكنولوجية، ونشأوا في ظل أزمات الاقتصادية عالمية، وتعلموا الاعتماد على أنفسهم مبكراً نتيجة زيادة معدلات الطلاق والعمل للآباء والأمهات، ويعطون أهمية للتوازن بين الحياة العملية والشخصية، عاصروا طفرة في الثقافة الشبابية، مثل موسيقى الروك البديلة، والهيب هوب، وأفلام الثمانينيات والتسعينيات.

والتسمية، يعتبره البعض هذا الجيل أنه لم يكن له هوية أو توجه محدد مقارنة بالأجيال السابقة (الطفرة السكانية) أو اللاحقة (الألفية)، والحرف X يركز إلى الغموض أو التحولات الاجتماعية والثقافية غير الواضحة التي مر بها هذا الجيل.

ثم جاء بعده جيل الألفية Millennials / Generation Y 1981-1996: ومعظمهم من أبناء جيل الطفرة، ويشكلون حوالي 22% من السكان، فهؤلاء نشأوا مع بداية الإنترنت، ويُعرفون بشغفهم بالتكنولوجيا، والتوجه نحو ريادة الأعمال، والوعي الاجتماعي، وشهدوا بداية الإنترنت وتطور الحواسيب الشخصية، ثم انتشار الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، ويعتبرون الجيل الأول الذي تأقلم تماماً مع التكنولوجيا الرقمية، وكانوا من أكثر الأجيال سعياً للحصول على التعليم العالي، لكنهم واجهوا البطالة، ويتميزون بمرونة كبيرة في اكتساب المهارات الجديدة ومتابعة التعليم المستمر. يهتمون بالقضايا البيئية والاجتماعية، وكان لهم دور رئيسي في انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ويشكلون شريحة كبيرة من القوى العاملة عالمياً، وجاءت التسمية نتيجة ارتباط هذا الجيل بالانتقال إلى الألفية الثالثة (القرن الحادي والعشرين)، إذ كانوا يشكلون الجيل الجديد الذي وصل سن البلوغ، مع اقتراب عام 2000 وهو ما جعلهم محوراً للعديد من التحولات العالمية أي في فترة التحولات الكبرى التي واكبت القرن الحادي والعشرين، مثل الثورة التكنولوجية والعولمة.

وهذا الجيل بالذات هو الجيل الذي يحتضن ويؤثر سلباً وإيجابا على جيل زد (Generation Z) 1997-2012: الذين يشكلون ما يقرب من 27.4% من السكان، وُلدوا في عالم يعتمد على التكنولوجيا منذ البداية، حيث الإنترنت، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي كانت جزءاً من حياتهم اليومية، ويُعتبرون أول جيل رقمي بالأساس (Digital Natives) يعرف العالم الرقمي بمهارة كبيرة، ويعتمدون بشكل كبير على الإنترنت للحصول على المعرفة، سواء في التعليم الأكاديمي أو المهارات العملية، ولديهم القدرة على التعلم الذاتي من خلال المنصات التعليمية.

نشأوا في عصر الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، ويميلون إلى البحث عن وظائف مرنة تجمع بين الشغف والعمل، كما يهتمون بريادة الأعمال والعمل الحر. والتسمية ب”جيل زد” لأنه الجيل الذي يأتي بعد جيل الألفية (Generation Y). ويشير الحرف “Z” إلى استكمال الترتيب الأبجدي بعد جيل X و Y، يُعرف أيضاً بجيل “ما بعد الألفية” أو “الجيل الرقمي” لأنه نشأ بالكامل في عصر التكنولوجيا الرقمية. ويُعتبر جيل زد الجيل الأخير الذي وُلد ونشأ قبل بداية الألفية الجديدة، لكن معظم طفولتهم وشبابهم حدثت في القرن الحادي والعشرين، مما جعلهم جيلاً يجمع بين التحولات التكنولوجية الكبيرة والقيم الحديثة. وهذا الجيل بالذات أصبح محل اهتمام العلماء والخبراء في كل مجال، يضعونه فوق طاولة البحث وتحت ميكرسكوب المعامل يشرّحونه قطعة قطعة، ويشرَحونه كأنهم يعلمون أدق تفاصيله، ولكن هيهات أن يسبروا غوره. فقط يحاولون بكل اليأس والرجاء.

وفي انتظار التحدي الأكبر، مع جيل ألفا (Generation Alpha) 2013 – 2026 حتى الآن: الجيل الحديث الذي يشكل ما يقرب من 29.8% من السكان، يُعرفون بتعرضهم للتكنولوجيا منذ الولادة، ومن المتوقع أن يكونوا الأكثر ذكاءً رقمياً، وُلدوا في عالم يعتمد بشكل كامل على التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، والتعليم لديهم يعتمد بشكل متزايد على الوسائل الرقمية، مثل التطبيقات والتعليم عن بُعد وقد يواجهون تحديات في التوازن بين الحياة الرقمية والواقعية. بسبب تعرضهم المفرط للأجهزة الذكية منذ الصغر، من المتوقع أن يكونوا الجيل الأكثر إبداعاً وتكيفاً مع التكنولوجيا. مما سيساهم في تسريع الابتكارات في المستقبل. جيل ألفا هو الجيل الذي يعكس المستقبل بكل تفاصيله الرقمية والبيئية ومن المتوقع أن يشكلوا حقبة جديدة من الابتكار والوعي العالمي في عالم سريع التغير.

وجاءت التسمية بـ”جيل ألفا، لوصف الجيل الذي جاء بعد جيل زد” وأخذ الاسم من الأبجدية الإغريقية “ألفا” مما يعكس بداية دورة جديدة بعد انتهاء سلسلة الأجيال السايقة (X, Y, Z). ويعكس الاسم بداية لعصر جديد من الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الذكية. مما يجعلهم فريدين عن الأجيال التي سبقتهم، والتسمية ب”جيل ألفا ليست مجرد وصف زمني، بل هي إشارة إلى مستقبل يُعيد تعريف العلاقات الإنسانية، والحياة الاجتماعية، والابتكار التكنولوجي. ولننتظر جيل “بيتا” الذي ربما يرتع الآن في رحم أمهاتهم ورحم المستقبل.

إذن، بعد هذا التوصيف، ما هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه دائمًا على الاجيال الجديدة؟ هل نريد أن نعرف صفاتهم – وما هي شخصياتهم، أو مدى ذكائهم، أو نمط حياتهم، أو ما هي المواهب الخاصة التي شكلت شخصياتهم والتي ربما وُلدوا بها، ونفترض أن هذه الصفات الشخصية هي التي تفسر كيف يمكن أن تصل بهذا الجيل إلى القمة.

يُقال أن الإنسان يستخدم عُشر طاقته العقلية فقط، فبذلك اذا استخدمنا عُشرا آخر، لربما كنا ضمن هؤلاء الاستثنائيون. والآن.. الآن أصبح في مقدور الأجيال الجديدة أن يستخدموا ليس فقط 10% من طاقتهم العقلية، بل أصبح في مقدورهم أن يستخدموا عقول البشرية مجتمعة على طرف أناملهم، فهل تعبير “الإستثنائيون”، أصبح في المتناول لكل من لديه بين يديه هاتف ذكي، ونحن الآن بالفعل لدينا أكثر من 95% من السكان يمتلكون هاتف زكي.

كل ذلك سيكون محور المنتدى القادم لـ “دائرة العلاقات العامة” والذي يركز على قياس نبض جيل زد على وجه الخصوص من خلال أفكار ودراسات الخبراء من كافة الأجيال الحية الآن، وبإشراف من أبناء جيل زد مباشرة.
انتظرونا…

طالع المزيد: شبراوى خاطر يكتب: ليس جذب الانتباه بل الفهم والتفهّم والتفاهم.. التحدي الأهم في مجال التواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى