الرجل… والمجهول

سردية يكتبها: باسم صلاح
كان الليل قد فقد هيبته، ولم تكتسب السماء بعد يقين النهار، فتح الرجل عينيه في هدوء، كأنه لم يستيقظ من نوم، بل عاد من رحلة بعيدة لا يتذكر منها إلا أنها كانت ضرورية، اعتدل جالساً فوق مرتبته الوثيرة الملقاة على الأرض، لم يحب الأسرّة المرتفعة؛ فالأرض أكثر صدقاً و تواضعاً وأقل ادعاءً، و اقترابه منها يذكّره بالحقيقة الأولى…و@ الأخيرة.
تحرك بخفة، أدار عنقه، فرد ذراعيه، ترك لجسده دقائق قليلة يستعيد بها ذاكرة الحركة، امتدت يده إلى كتاب قديم استراح إلى جواره، تآكلت أطراف صفحاته حتى بدا وكأنه عاش أعماراً أطول من أعمار قرائه.
قرأ السطر الأول، قال بهدوء: “تأخرت اليوم يا نيكولا.”
ابتسم نيكولا تسلا ابتسامة العارف، أزاح خصلة شعره إلى الخلف، وقال: “بل أنت من استيقظ متأخراً… أما الأفكار، فلم تنم أصلًا يا صديقي .”
انساب الحديث بينهما كما ينساب التيار في أسلاك لا تُرى، ماذا عن نظام التيار المتردد… لا بوصفه اختراعاً، بل بوصفه فلسفة.
كيف تستطيع الطاقة أن تقطع آلاف الكيلومترات دون أن تفقد روحها؟، وكيف أن الإنسان، هو الآخر، يحتاج إلى أن يعرف متى يرفع الجهد… ومتى يخفض الفاقد… حتى يبلغ رسالته كاملة.
الرجلان يختلفان أحياناً ، يتفقان أحياناً، ثم ينفجران ضاحكين ، كطفلين اكتشفا للتو أن الكون أكبر من أن ينتصر فيه أحد.
انصرف تسلا، نهض الرجل، ارتدى ثيابه بعناية، أكمل طقوسه الصباحية ، ثم غادر مسرعاً.
وصل المكان ، وقف متأملاً، احتضن والده طويلًا.
كان المكان غارقاً في ضوء طيب ، حتى بدت الوجوه وكأنها مرسومة بالحنين.
جلسا معاً، دار بينهما حديث طويل، تعجز اللغة عن كتابته.
أشياء لا يسمعها إلا الذين يعرفون أن الحب لا يحتاج دائماً إلى صوت.
نهض الرجل، قرأ الفاتحة، ثم انصرف، بينما الدمعة تعلم أيضاً أن موعد سقوطها لم يحن بعد.
دخل مسرعاً إلى العمل، اقترب البعض ، تلقوا التعليمات اليومية ، مرت الساعات بانسيابية، الأمور على مايرام ، استعد للانصراف، ربت على كتف أحد مرؤوسيه : ” كله تمام؟ ”
ابتسم الأخير: “كله تمام يا ريس.”
أثناء انصرافه أجرى عدة مكالمات معتادة، أما المكالمة الأخيرة فكانت تحمل صوتاً يشبه الوطن، أو يشبه صلاة نجت من الضياع.
أغلق الهاتف، أكمل طريقه إلى مقهاه البلدي، المكان الوحيد الذي لا يسأله فيه أحد لماذا يفكر كثيراً …!
استقبله العاملون بضحكاتهم المصرية الدافئة، رد التحية بأدفأ منها، تطايرت القفشات سريعاً ، كما لو أن البهجة هنا تُقدَّم مع المشروبات.
قال وهو يخلع سترته:
“القهوة… خليها مغلية عدل .”
أشار إلى الشيشة ضاحكاً:
“والمعسل… بالله عليكم ما يكونش مغشوش… كفاية إنه عادة سيئة، بلاش تبقى سيئة ونص.”
انفجر الجميع ضاحكين.
جلس إلى طاولته المعتادة.
الطاولة التي تعرف صمته أكثر مما تعرفه الكلمات.
أخرج حاسوبه المحمول، فتح صفحة بيضاء، المؤشر يومض في منتصف الفراغ، كأنه ينتظر وعداً قديماً، تنفس بعمق، ثم كتب في أعلى الصفحة:
بسم الله الرحمن الرحيم
” مشروع آوت رايت”
البصمة الرقمية لحماية القرآن الكريم من التزييف الرقمي
توقف لحظة…
أدار بصره نحو الفراغ الممتد أمامه.
كتب تحتها:
الآن… الفكرة كاملة.
ابتسم ابتسامة بالكاد تُرى ، همس كأنما يخاطب أحداً لا يراه سواه:
“لنبدأ…
على بركة الله.”
… في تلك اللحظة، لم يكن أحد في المقهى يعلم، أن الرجل الذي يجلس بينهم ، يحتسي قهوته، ويمازح النادل، ويدخن عادته التي يعترف بسوئها…
قد فتح للتو باباً…
على المجهول.





