محسن رضائي.. عودة رجل «الحرس الثوري» إلى قلب الأمن الإيراني ماذا يعنى؟

.. رسالة تشدد لواشنطن

مصادر – موقع بيان الإخبارى

عاد القيادي الإيراني المخضرم محسن رضائي إلى واحدة من أكثر دوائر صنع القرار حساسية في طهران، بعدما جرى تعيينه أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، في توقيت بالغ التعقيد تواجه فيه إيران احتمالات تجدد المواجهة مع الولايات المتحدة، وسط استمرار التوترات الإقليمية.

وأعلن مهدي طباطبائي، المتحدث باسم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن رضائي، البالغ من العمر 71 عامًا، سيتولى المنصب خلفًا لمحمد باقر ذو القدر، الذي غادر منصبه بعد أقل من خمسة أشهر من توليه المسؤولية.

ويعيد هذا التعيين رضائي إلى قلب المؤسسة الأمنية الإيرانية، بعد مسيرة سياسية وأمنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، بدأت بالعمل السري ضد نظام الشاه، ثم توليه قيادة الحرس الثوري الإيراني خلال معظم سنوات الحرب العراقية الإيرانية، قبل انتقاله لاحقًا إلى عدد من المناصب السياسية والأمنية الرفيعة.

ويأتي اختيار رضائي بعد نحو شهرين من توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، وفي ظل مخاوف من احتمال عودة المواجهة العسكرية في منطقة الخليج.

ويُعد المجلس الأعلى للأمن القومي من أبرز مؤسسات صنع القرار في إيران، إذ يضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، ويتولى المشاركة في صياغة السياسات الأمنية والخارجية الرئيسية للبلاد، بما في ذلك إدارة الملفات المتعلقة بالمواجهة مع الولايات المتحدة.

عودة رجل الحرس إلى واجهة القرار

ويمنح تعيين رضائي في هذا الموقع نفوذًا إضافيًا لجيل من المسؤولين المرتبطين بالحرس الثوري والمؤسسة الأمنية الإيرانية القديمة، في وقت تواجه فيه طهران قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والتفاوض ومستقبل علاقاتها مع واشنطن.

وتولى رضائي، عام 1981، وكان يبلغ آنذاك 27 عامًا، قيادة الحرس الثوري الإيراني، وظل في منصبه لمدة 16 عامًا، وهي الفترة التي غطت معظم سنوات الحرب العراقية الإيرانية، التي اندلعت عام 1980 واستمرت حتى 1988.

وقبل تعيينه أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، عمل رضائي مستشارًا للمرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئي، الذي تولى قيادة إيران بعد مقتل والده آية الله علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وفق التقرير المنشور في موقع «الحرة».

ويرى أندريس ألفيس، مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال، أن وصول رضائي إلى هذا الموقع قد يدفع إيران نحو مزيد من التشدد.

ونقل عنه موقع «الحرة» قوله إن رضائي «ليس شخصًا يُعرف باللين في أي أمر»، واصفًا إياه بأنه شخصية «حازمة وصارمة»، وليست من النوع الذي اعتاد الغرب التفاوض معه، في إشارة إلى شخصيات مثل علي لاريجاني وبعض المسؤولين السابقين.

من العمل السري إلى قيادة الحرس الثوري

ينتمي رضائي إلى جيل من قادة الحرس الثوري الذين خرجوا من التنظيمات الثورية السرية التي نشطت قبل الإطاحة بنظام الشاه عام 1979، قبل أن يتحول عدد منهم إلى شخصيات رئيسية داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإيرانية.

وبدأ رضائي نشاطه السياسي في سن مبكرة، وانخرط خلال سبعينيات القرن الماضي في العمل السري المناهض لنظام الشاه، وكان من مؤسسي جماعة «منصورون»، وهي جماعة إسلامية مسلحة عارضت حكم الشاه.

وعلى مدار مسيرته، عُرف رضائي بمواقفه المحافظة والمتشددة، كما خاض الانتخابات الرئاسية الإيرانية ثلاث مرات، ويشغل عضوية مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهي الهيئة التي تقدم المشورة للمرشد الأعلى وتفصل في الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.

مواقف صلبة تجاه الولايات المتحدة

لم تكن مواقف رضائي تجاه الولايات المتحدة غائبة عن المشهد الإيراني خلال السنوات الأخيرة، إذ كرر قبل الحرب الأخيرة وخلالها وبعدها انتقاداته لواشنطن، وأبدى تشكيكًا في جدوى التفاوض معها.

وفي يناير 2026، حذر رضائي من أن أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران سيقابل باستهداف إسرائيل والقواعد الأمريكية، معتبرًا أن مثل هذه المواجهة من شأنها زعزعة استقرار المنطقة.

وخلال الحرب الأمريكية الإيرانية في أبريل، ذهب رضائي إلى التهديد بإمكان أسر آلاف الجنود الأمريكيين في حال شن واشنطن غزوًا بريًا لإيران، وقال إن طهران يمكن أن تطالب بمليار دولار مقابل كل أسير.

كما هدد بإغراق السفن الأمريكية إذا حاولت واشنطن فرض سيطرتها على مضيق هرمز، مؤكدًا أن الصواريخ الإيرانية قادرة على استهدافها، إلى جانب معارضته تمديد وقف إطلاق النار.

وقبل توقيع مذكرة التفاهم الرامية إلى إنهاء الحرب في 17 يونيو، قال رضائي إن الاتفاق يتضمن نقاطًا غامضة تحتاج إلى توضيح، قبل أن يتهم الولايات المتحدة، بعد عشرة أيام، بانتهاك الاتفاق عبر تأجيج التوتر في مضيق هرمز.

ويرى ألفيس أن اختيار رضائي لا يمثل مجرد تغيير إداري داخل مؤسسة أمنية، وإنما يحمل رسالة سياسية واضحة.

وقال إن تعيينه أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي «يوصل رسالة واضحة بأنه لن يكون متساهلًا»، مضيفًا أن القيادة الإيرانية تبدو راغبة في وجود شخصية قادرة على اتخاذ القرارات والتمسك بالموقف المتشدد، بحيث تمر أي تنازلات محتملة عبره.

«كربلاء-4».. إرث عسكري لا يزال مثار جدل

لا يزال سجل محسن رضائي خلال الحرب العراقية الإيرانية موضع جدل داخل إيران، خصوصًا بسبب موقفه من استمرار الحرب حتى بعد انسحاب القوات العراقية من الأراضي الإيرانية، فضلًا عن الانتقادات التي طالته بشأن عدد من العمليات العسكرية التي تكبدت خلالها القوات الإيرانية خسائر كبيرة.

وتبرز في هذا السياق عملية «كربلاء-4»، التي شنتها إيران في ديسمبر 1986 بهدف اختراق الدفاعات العراقية والوصول باتجاه البصرة.

وعاد الجدل حول العملية إلى الواجهة عام 2018، عندما كتب رضائي عبر موقع «تويتر»، الذي أصبح لاحقًا منصة «إكس»، أن «كربلاء-4» نُفذت بهدف خداع القوات العراقية، تمهيدًا لـ«عملية كربلاء-5».

لكن رضائي عاد وأوضح أن العملية بدأت باعتبارها هجومًا حقيقيًا، وأن إيران حاولت، بعد فشلها، الاستفادة من نتائجها لتضليل الجانب العراقي قبل شن الهجوم التالي.

وأثارت هذه الرواية اعتراض عدد من المسؤولين والخبراء الإيرانيين، ومن بينهم الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني، الذي قال إن إيران فقدت خلال العملية نحو ألف قتيل، إضافة إلى 3900 مفقود ونحو 11 ألف جريح.

وبحسب روايات أخرى، كانت القوات العراقية قد اكتشفت الهجوم الإيراني مسبقًا واستعدت له، وهو ما ساهم في إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الإيرانية.

رضائي أمام اختبار جديد

وبعد نحو أربعة عقود على واحدة من أكثر مراحل الحرب العراقية الإيرانية إثارة للجدل، يعود اسم محسن رضائي إلى واجهة القرار الأمني الإيراني، لكن هذه المرة من موقع مختلف وأكثر حساسية.

فمن قيادة الحرس الثوري خلال الحرب مع العراق، إلى عضوية المؤسسات السياسية والأمنية العليا، ثم منصب أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، يجد رضائي نفسه مجددًا أمام ملفات تتقاطع فيها الحرب والسياسة والتفاوض.

لكن الاختبار هذه المرة لا يتعلق بجبهة العراق، وإنما بعلاقة إيران مع الولايات المتحدة، وما إذا كانت طهران تتجه إلى التفاوض من موقع أكثر تشددًا، أم تستعد لجولة جديدة من التصعيد.

ومن ثم، فإن عودة رضائي إلى هذا الموقع تبدو، وفق قراءة التقرير الأمريكي، أبعد من كونها مجرد تعيين إداري؛ فهي تحمل دلالة على طبيعة المرحلة المقبلة، وعلى رغبة القيادة الإيرانية في وضع شخصية ذات خلفية أمنية وعسكرية صلبة في قلب عملية اتخاذ القرار خلال مرحلة شديدة الحساسية.

طالع المزيد:  زلزال في الموساد الإسرائيلى.. إقالة قيادي بارز لصالح نتنياهو وتغطية فشل الملف الإيراني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى